الدخان أسرع من النيران.. هل تمتد حرائق غابات فرنسا إلى دول أخرى؟
مع اتساع رقعة حرائق الغابات في جنوب فرنسا خلال الأيام الأخيرة، يتكرر سؤال مهم: هل يمكن أن تمتد هذه الحرائق إلى دول أخرى؟
بينما تبدو ألسنة اللهب نفسها نادرا ما تعبر الحدود الدولية، إلا أن تأثيراتها قد تتجاوز فرنسا بسهولة عبر الدخان والجسيمات الملوثة التي تحملها الرياح لمئات أو حتى آلاف الكيلومترات.
وتشهد فرنسا حاليًا واحدة من أكثر موجات الحرائق شدة في السنوات الأخيرة، إذ أجبرت النيران أكثر من 10 آلاف شخص على مغادرة منازلهم قرب الحدود الإسبانية، بينما التهمت آلاف الهكتارات من الغابات والأراضي الزراعية. كما دفعت السلطات إلى فرض قيود على بعض فعاليات سباق الدراجات الشهير «طواف فرنسا» بسبب المخاطر المرتبطة بالدخان والنيران.

هل يمكن للنيران أن تعبر الحدود؟
يؤكد خبراء الحرائق أن انتقال النيران مباشرة من دولة إلى أخرى أمر ممكن نظريًا إذا كانت الغابات متصلة جغرافيًا ولم توجد حواجز طبيعية أو مناطق عازلة، لكن هذا السيناريو يظل محدودًا نسبيًا في أوروبا بسبب شبكات الطرق والمناطق الزراعية وعمليات مكافحة الحرائق المكثفة.
أما الخطر الأكثر شيوعًا فهو انتقال الدخان والرماد والجسيمات الدقيقة عبر الغلاف الجوي لمسافات بعيدة جدًا، وهو ما يجعل حرائق فرنسا قضية أوروبية وليست فرنسية فقط.
الدخان لا يعرف الحدود
وتشير بيانات برامج الرصد الأوروبية إلى أن دخان حرائق الغابات يمكن أن ينتقل عبر القارات بأكملها. ففي عام 2023 وصلت سحب الدخان الناتجة عن حرائق كندا إلى فرنسا وإسبانيا والبرتغال والمملكة المتحدة بعد عبورها المحيط الأطلسي، كما رُصدت آثارها في شمال أوروبا.
وتوضح دراسات الرصد الجوي أن الرياح القوية قادرة على نقل أعمدة الدخان لمسافات هائلة، بحيث تتأثر جودة الهواء في دول تبعد مئات أو آلاف الكيلومترات عن موقع الحريق الأصلي. كما سجلت أوروبا خلال السنوات الأخيرة عدة حالات انتقل فيها دخان حرائق البرتغال وإسبانيا إلى فرنسا وبريطانيا وأيرلندا.

ماذا تقول الدراسات الصحية؟
تشير دراسة حديثة نشرت عام 2025 إلى أن الجسيمات الدقيقة الناتجة عن حرائق الغابات (PM2.5) ترتبط بزيادة الوفيات والمشكلات الصحية قصيرة المدى، وقد تكون أكثر ضررًا من الجسيمات الناتجة عن مصادر تلوث أخرى. وتلفت الدراسة إلى أن التعرض لدخان الحرائق يرفع مخاطر أمراض الجهاز التنفسي والقلب والأوعية الدموية، حتى في المناطق البعيدة عن موقع الحريق نفسه.
أوروبا أكثر عرضة للحرائق
ويرى خبراء المناخ أن ارتفاع درجات الحرارة والجفاف المتكرر يجعلان جنوب أوروبا أكثر عرضة لمواسم حرائق طويلة وشديدة. وتشير بيانات المفوضية الأوروبية إلى أن عام 2025 كان الأكثر تدميرا للغابات في تاريخ الاتحاد الأوروبي من حيث المساحات المحترقة، مع انتشار الحرائق في عدة دول متوسطية خلال موسم واحد.
كما تؤكد تقارير الرصد المناخي الأوروبية أن الحرائق الشديدة في جنوب غرب أوروبا أصبحت أكثر تكرارًا، وأن انبعاثات الحرائق سجلت مستويات قياسية خلال السنوات الأخيرة، ما أدى إلى تدهور جودة الهواء على نطاق إقليمي واسع.