تقلبات حادة ومكاسب قياسية.. قصة مثيرة لأسواق المال العالمية في 2025
كان عام 2025 عاما مثيرا للقلق على نطاق واسع، لكنه في الوقت ذاته شكل عاما إيجابيا للمستثمرين الذين تحلوا بالصبر والقدرة على تحمل التقلبات.
وجاء هذا القلق نتيجة سلسلة من الاضطرابات التي شهدتها سوق الأسهم الأمريكية، حيث سُجّلت انخفاضات تاريخية متكررة وسط مخاوف متزايدة، شملت الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ومستقبل أسعار الفائدة، واحتمالات تشكل فقاعة في قطاع الذكاء الاصطناعي.
ومع ذلك، أثبتت الأسواق في نهاية المطاف قدرتها على التعافي، ليخرج المستثمرون الصابرون بعوائد قوية رغم التذبذبات الحادة.
وحققت صناديق مؤشر «ستاندرد آند بورز 500»، التي تُعد حجر الأساس في حسابات التقاعد (401k) لملايين الأمريكيين، عائدا يقترب من 18% خلال عام 2025، مسجلة مستوى قياسيا جديدا في 24 ديسمبر/كانون الأول.

وكان هذا العام هو الثالث على التوالي الذي تحقق فيه هذه الصناديق عوائد سنوية كبيرة، في مؤشر على قوة السوق الأمريكية على المدى المتوسط.
وبرزت عدة مفاجآت رئيسية ساهمت في تشكيل المشهد المالي خلال العام. ففي أبريل/نيسان، فاجأ ترامب الأسواق فيما عُرف بـ«يوم التحرير»، عندما أعلن عن حزمة واسعة من الرسوم الجمركية تجاوزت توقعات المستثمرين بشكل كبير. وأثار القرار مخاوف فورية من ركود اقتصادي محتمل وارتفاع معدلات التضخم، ما انعكس سريعًا على أداء الأسواق.

وسجل مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» تراجعًا بنحو 5% في 3 أبريل/نيسان، في أسوأ أداء يومي له منذ انهيار الأسواق في 2020 خلال جائحة كوفيد-19. ولم تكد الأسواق تلتقط أنفاسها، حتى انخفض المؤشر بنسبة 6% إضافية في اليوم التالي، بعد أن أثار الرد الصيني مخاوف من اندلاع حرب تجارية متبادلة بين أكبر اقتصادين في العالم.
ولم يقتصر تأثير الرسوم الجمركية على أسواق الأسهم فقط، بل امتد إلى الدولار الأمريكي الذي تراجع أمام عدد من العملات، كما طال القلق سوق سندات الخزانة الأمريكية، التي تعد تقليديا ملاذا آمنا للمستثمرين في أوقات الاضطراب.
وفي نهاية المطاف، أعلن ترامب تعليق تطبيق الرسوم الجمركية في 9 أبريل/نيسان، مبررا قراره باضطرابات شهدها سوق السندات الأمريكية، بحسب تعبيره. وساهم هذا القرار في تهدئة المخاوف وبثّ حالة من الارتياح في وول ستريت.

ولاحقا، دخلت الإدارة الأمريكية في مفاوضات مع عدد من الدول، أسفرت عن التوصل إلى اتفاقيات لتخفيض الرسوم المقترحة، ما عزز ثقة المستثمرين تدريجيا.
وشهدت وول ستريت خلال فصل الصيف ارتفاعا ملحوظا في ظل أجواء اتسمت بالهدوء النسبي، مدفوعة بالتفاؤل المتزايد تجاه تقنيات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب نتائج أرباح قوية للشركات الكبرى. كما تلقّت الأسواق دعما إضافيا من قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي خفض أسعار الفائدة ثلاث مرات خلال العام.
ورغم هذا الأداء الإيجابي، ظلت المخاوف التجارية قادرة على إحداث اضطرابات مفاجئة. ففي أكتوبر/تشرين الأول، تسببت تهديدات ترامب بفرض رسوم جمركية أعلى على الصين في تراجع حاد بأسعار الأسهم، ما أعاد التذكير بحساسية الأسواق تجاه التصريحات السياسية.

ومن بين مفاجآت العام أيضا مدى إصرار ترامب وحدة لهجته في الضغط على مجلس الاحتياطي الفيدرالي لخفض أسعار الفائدة. فلطالما تمتع البنك المركزي الأمريكي باستقلالية كبيرة عن السلطة التنفيذية، ما منحه القدرة على اتخاذ قرارات غير شعبية أحيانًا، لكنها ضرورية لاستقرار الاقتصاد على المدى الطويل.
وفي حين ظل معدل التضخم أعلى من الهدف البالغ 2%، أبقى الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير خلال شهر أغسطس/آب، وهو ما أثار استياء ترامب، رغم أن سياساته التجارية كانت من بين العوامل التي غذت مخاوف التضخم.
واستمر ترامب في توجيه انتقادات علنية لرئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول، وبلغ التوتر ذروته في يوليو/تموز عندما اتهمه، أمام وسائل الإعلام، بسوء إدارة تكاليف تجديد مقر البنك المركزي، وهو ما نفاه باول بشكل واضح.
ورغم تفضيل وول ستريت لبيئة أسعار الفائدة المنخفضة، أثارت هذه الهجمات الشخصية قلقا في الأسواق بشأن احتمال تقويض استقلالية الاحتياطي الفيدرالي. ومن المقرر أن تنتهي ولاية باول في مايو/أيار، وسط توقعات واسعة بأن يعين ترامب رئيسا جديدا أكثر ميلا إلى خفض الفائدة.

وعلى عكس شعار «أمريكا أولا»، لم تكن الأسواق الأمريكية وحدها المستفيدة. فقد حققت العديد من الأسواق العالمية أداء أفضل نسبيا. وساهمت الطفرة التكنولوجية، التي دعمت مكاسب «ستاندرد آند بورز 500» و«ناسداك»، في تحقيق مؤشر «كوسبي» الكوري الجنوبي أكبر مكاسبه منذ أكثر من عقدين، مدفوعا بازدهار شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
كما واصل مؤشر «نيكاي 225» الياباني تحقيق مكاسب للعام الثالث على التوالي، بدعم من قطاع التكنولوجيا وحزمة تحفيزية حكومية بقيمة 135 مليار دولار أُعلنت عقب الانتخابات الوطنية.
وشهدت الأسواق الأوروبية بدورها عاما قويا، إذ تلقى مؤشر «داكس» الألماني دعما من خطط حكومية لزيادة الإنفاق على البنية التحتية والدفاع، فيما ساهم خفض أسعار الفائدة من قبل البنك المركزي الأوروبي في تعزيز شهية المخاطرة.
أما العملات المشفرة، فعلى الرغم من سمعتها المرتبطة بالتقلبات الحادة، فقد فاجأت الأسواق. فبعد تراجعها في بداية العام، شهدت بيتكوين انتعاشا قويا مدفوعا بدعم سياسي للأصول الرقمية، وزيادة إقبال المستثمرين الأفراد على صناديق المؤشرات المتداولة. وبلغ سعر بيتكوين ذروته عند نحو 125 ألف دولار في أكتوبر/تشرين الأول، قبل أن يتراجع لاحقا وسط مخاوف من المبالغة في تقييم الأصول عالية المخاطر.
ومع اقتراب عام 2026، يتوقع العديد من المستثمرين المحترفين استمرار تحقيق المكاسب، مدعومين بتوقعات نمو الاقتصاد الأمريكي وزيادة أرباح الشركات. غير أن المخاوف المرتبطة بتضخم استثمارات الذكاء الاصطناعي، وارتفاع تقييمات الأسهم، لا تزال حاضرة، ما يُبقي الأسواق أمام عام جديد لا يخلو من التحديات والفرص في آنٍ واحد.
aXA6IDIxNi43My4yMTYuMTAzIA== جزيرة ام اند امز