متلازمة اللغة الأجنبية بعد التخدير: حديث بلغة أخرى فجأة يذهل الأطباء
هذه الظاهرة الطبية المدهشة، المسماة متلازمة اللغة الأجنبية، تضع الأطباء أمام لغز حقيقي حول قدرة الدماغ على استدعاء لغات مكتسبة سابقاً، أحياناً في سياق صدمات أو أدوية قوية، دون أي أثر دائم.
وسلطت صحيفة "لوموند" الفرنسية، علي متلازمة اللغة الأجنبية بعد التخدير، مشيرة إلي أن رجل صربي يبلغ من العمر 34 عاماً، نقل إلى المستشفى بسبب نوبة اكتئاب جديدة في إطار اضطراب ذهاني عاطفي.
وأوضحت أنه خلال ليلته الرابعة من الأرق المستمر، تلقى حقنة عضلية تحتوي على 50 ملغ من كلوربرومازين، وهو مضاد للذهان من نوع النوروليبتيك. وبعد ساعات قليلة، تدهورت حالته فجأة أصبح مضطرباً، تعرض لتصلب عضلي، وارتفعت حرارته، وهي جميعها علامات متلازمة النوروليبتيك الخبيثة، وهي مضاعفة نادرة وخطيرة.
وأثناء الفحص الطبي، وبينما كان صامتاً حتى تلك اللحظة، جلس فجأة وبدأ بالكلام… لكن ليس بالصربية! بل باللغة الإنجليزية، يطرح أسئلة دقيقة: "أين أنا؟ ما هذا المستشفى؟ لماذا أنا هنا؟ ما خطبي؟".

ودام هذا الحدث خمس دقائق فقط، ثم عاد الصمت فجأة، وأصبح المريض صامتاً كما كان سابقاً. لاحقاً، اكتشفت الطاقم الطبي أن معرفته بالإنجليزية محدودة جداً، اقتصر تعليمها على المدرسة الابتدائية ومشاهدة الرسوم المتحركة. يعيش الرجل في منطقة ريفية، ولم يسافر أبداً خارج بلاده، ولم يتحدث الإنجليزية خارج المدرسة.
وتم توثيق هذه الحالة في يناير 2025 من قبل أطباء كلية الطب ومعهد الصحة العقلية في بلغراد، في مجلة "الصحة النفسية العامة" الأمريكية، لتوضح ظاهرة متلازمة اللغة الأجنبية، والمعروفة أيضاً باسم "متلازمة اللغة الثانية" أو "التمركز المؤقت على لغة أجنبية"، وهي حالة نادرة تتمثل في الانتقال المؤقت إلى لغة ثانية، غالباً بعد التخدير.
ويعد هذا أول تقرير يربط متلازمة اللغة الأجنبية بعد التخدير العام مع متلازمة النوروليبتيك الخبيثة.
حالة أخرى وصفت في ديسمبر 2024 في Journal of Oral and Maxillofacial Surgery، لمريضة تبلغ 21 عاماً، عسكرية في سلاح الجو الأمريكي. بعد إجراء جراحة لإزالة ضرس عقل تحت تخدير عام، استيقظت لتجد نفسها غير قادرة على الكلام بالإنجليزية، بل تتحدث الألمانية بطلاقة، رغم أن الإنجليزية هي لغتها الأم، بعد حوالي 24 ساعة، عادت إلى الإنجليزية بشكل طبيعي، دون أي آثار جانبية.
أول حالة موثقة في 1999
أول تقرير عن متلازمة اللغة الأجنبية كان في 1999 بواسطة طبيبين بريطانيين في مجلة Anaesthesia، حيث استيقظ مريض إنجليزي العمر 54 سنة بعد التخدير ليبدأ بالتحدث بالإسبانية، مع فهم كامل للإنجليزية، ثم عاد لاحقاً إلى لغته الأم دون أي مضاعفات.
حتى الآن، تم تسجيل 14 حالة فقط في الأدبيات الطبية، ولم يسبق أن شُخصت حالة لدى امرأة أو بعد جراحة فكية. مدة الحالات تختلف من 10 دقائق إلى 28 ساعة، ثم تعود اللغة الأصلية تلقائياً دون أي آثار عصبية.

آلية الدماغ وراء الظاهرة
تشير الدراسات العصبية إلى أن اللغة الأم تنشط بشكل رئيسي مناطق تحت قشرية مثل العقد القاعدية والمخيخ، بينما تُخزن اللغات المكتسبة لاحقاً في مناطق واسعة من القشرة الدماغية. عند التأثر بالحالة أو التخدير، قد تُثبط مناطق اللغة الأم مؤقتاً، فيُفعّل الدماغ المسارات البديلة للغة الثانية، مما يؤدي إلى التحدث بلغة قد نُسيت أو لم تُستخدم منذ سنوات.
حالات أخرى مدهشة
مراهق هولندي يبلغ 17 عاماً بعد تخدير عام للجراحة تحدث فجأة بالإنجليزية، رغم معرفته بها فقط في المدرسة، وعاد بعد 24 ساعة للحديث بالهولندية.
حالات مماثلة أبلغ عنها بلغات متنوعة: الإسبانية، الهندية، النرويجية، اليابانية، الماندرين، الفرنسية، الصربية وغيرها.
تجدر الإشارة إلى أن متلازمة اللغة الأجنبية تختلف عن متلازمة اللهجة الأجنبية، حيث يظل المريض يتحدث بلغته الأم ولكن بلكنات غريبة، في متلازمة اللغة الأجنبية، تُستبدل اللغة نفسها كلغة ثانية غالباً اكتُسبت لاحقاً.
الحالات تبرز مدى تعقيد الدماغ البشري في معالجة اللغة والوعي، وتسلط الضوء على الحاجة لمزيد من الدراسات لفهم كيفية تأثير التخدير والأدوية على القدرات اللغوية العليا.
aXA6IDIxNi43My4yMTYuNTYg جزيرة ام اند امز