«حرب الدجاج» وفرنسا.. سجال يتحول لنقاش حول «أسلمة» الفضاء العام
في ضاحية سان أوين العمالية شمال باريس، لم يكن افتتاح فرع جديد لسلسلة مطاعم الوجبات السريعة «مستر بوليه» حدثًا تجاريًا عابرًا.
فالمطعم الصغير، الذي افتتح أبوابه على مقربة من مبنى البلدية، سرعان ما تحول إلى محور مواجهة سياسية وثقافية عكست حجم التوترات المتصاعدة في الضواحي الفرنسية بين رؤى متباينة للهوية الحضرية، والعدالة الاجتماعية، ومستقبل الأحياء الشعبية.
خلال أسابيع قليلة، جذب المطعم أعدادًا كبيرة من الزبائن الباحثين عن وجبات دجاج بأسعار تبدأ من سبعة يوروهات، في مشهد يعكس الطلب المتزايد على الوجبات السريعة منخفضة التكلفة داخل الأحياء ذات الكثافة العمالية والمهاجرة.
غير أن هذا النجاح التجاري أثار اعتراضًا حادًا من عمدة المدينة كريم بوعمران، أحد أبرز الوجوه الصاعدة في الحزب الاشتراكي، الذي اختار تحويل القضية إلى معركة سياسية تتجاوز مجرد الخلاف حول التراخيص أو التنظيم العمراني.
بوعمران، الذي يؤكد أنه لا يعارض المطعم لذاته، بل يرفض ما يعتبره «تكريسًا لنمط غذائي منخفض الجودة» في الأحياء الفقيرة، يرى أن سكان سان أوين يستحقون خيارات غذائية أكثر تنوعًا وجودة، بدلًا من حصرهم في نماذج استهلاكية يربطها بالتهميش الاجتماعي.

ومن هذا المنطلق، تحركت البلدية سريعًا بوضع كتل خرسانية أمام المطعم لمنع الوصول إلى شرفته الخارجية، بدعوى مخالفتها للقوانين التنظيمية.
لكن هذه الخطوة لم تصمد طويلًا أمام القضاء، إذ قضت المحكمة بإزالة الحواجز باعتبارها إجراءً غير متناسب مع طبيعة المخالفة، ما منح إدارة المطعم انتصارًا قانونيًا وإعلاميًا استثمرته بذكاء.
فقد أعادت السلسلة افتتاح أبوابها وسط حملة دعائية ساخرة استهدفت رئيس البلدية مباشرة، مستخدمة لافتات ورسائل انتشرت بسرعة على مواقع التواصل الاجتماعي، لتتحول القضية إلى مادة جدلية واسعة تجاوزت حدود المدينة.
أبعاد أيديولوجية
وسرعان ما اتخذ السجال بعدًا أيديولوجيًا أكثر تعقيدًا، خصوصًا مع تسويق المطعم لمنتجاته بوصفها حلالًا. فقد وجدت بعض منابر أقصى اليمين في القضية فرصة جديدة لإحياء خطابها التقليدي حول «أسلمة» الفضاء العام الفرنسي، معتبرة أن انتشار هذه السلاسل يعكس تحولًا ثقافيًا يهدد النموذج الفرنسي العلماني.
غير أن المفارقة الأبرز تمثلت في انخراط اليسار الراديكالي نفسه في المعركة، لكن من زاوية معاكسة. فقد استغل حزب «فرنسا الأبية» القضية لمهاجمة الاشتراكيين، متهمًا رئيس البلدية بممارسة نوع من الوصاية الطبقية على سكان المدينة.
وظهر النائب إريك كوكيريل أمام المطعم في مقاطع مصورة انتقد فيها ما وصفه بمحاولات فرض نموذج حضري إقصائي يستهدف الفئات الشعبية باسم التحديث.
وتكتسب هذه المواجهة دلالات أعمق بالنظر إلى طبيعة سان أوين ومحيطها داخل مقاطعة سين سان دوني، إحدى أكثر المناطق الفرنسية هشاشة اقتصاديًا وتنوعًا ديمغرافيًا. فهناك، يتقاطع ملف الغذاء مع أسئلة أوسع تتعلق بالتحول العمراني وارتفاع تكاليف المعيشة ومخاوف السكان من الإقصاء التدريجي تحت ضغط مشاريع التطوير الحضري.
في المقابل، يواصل بوعمران مشروعه لإعادة تشكيل صورة المدينة، مستفيدًا من مشاريع البنية التحتية المرتبطة بدورة الألعاب الأولمبية الأخيرة، والتي شملت تطوير الساحات العامة واستقطاب مطاعم راقية ومفاهيم غذائية جديدة. وحتى بعد إزالة الحواجز الخرسانية، لجأت البلدية إلى وضع أحواض زهور ضخمة أمام المطعم، في خطوة اعتبرها كثيرون استمرارًا رمزيًا للصراع.
ورغم كل هذا الجدل، يبدو الزبائن أقل اكتراثًا بالمعارك السياسية المحتدمة. بالنسبة لكثيرين، المسألة أبسط بكثير: مطعم يقدم وجبة مشبعة بسعر مناسب.