أقصى يمين فرنسا والرئاسة.. «ألغام» على طريق الإليزيه (خبيران)
تقدم أقصى يمين فرنسا نوايا التصويت لا يعكس بالضرورة طريقا سهلا نحو قصر الإليزيه، في ظل توازنات انتخابية دقيقة وتحالفات متحركة.
هذا ما يجمع عليه خبراء في ظل تقدم التيار باستطلاعات الرأي للانتخابات الرئاسية المقررة في 2027، في وقت يؤكدون فيه أن المشهد السياسي الفرنسي يدخل مرحلة شديدة التعقيد.
وبحسب استطلاعات حديثة، يحافظ حزب «التجمع الوطني» (أقصى اليمين) بقيادة مارين لوبان، على موقعه في الصدارة، لكن المنافسة على بطاقة التأهل الثانية إلى الجولة الحاسمة لا تزال شديدة التقارب بين عدة مرشحين.
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو الانتخابات الرئاسية المقبلة في فرنسا واحدة من أكثر الاستحقاقات غموضًا، حيث لا يكفي التقدم في استطلاعات الرأي لضمان الوصول إلى السلطة.
تغييرات ورهانات
في قراءته، يرى جون سيلفستر مونجريني، أستاذ العلوم السياسية الفرنسي بـ«معهد توماس مور»، أن تقدم أقصى اليمين باستطلاعات الرأي ليس ظاهرة ظرفية، بل يعكس تحولات بنيوية داخل المجتمع الفرنسي.
وفي حديث لـ«العين الإخبارية»، يقول مونجريني إن «قضايا الهوية والهجرة والأمن أصبحت في صلب اهتمامات شريحة واسعة من الناخبين، خاصة في ظل الأزمات الاقتصادية والتوترات الاجتماعية التي شهدتها فرنسا خلال السنوات الأخيرة».
ويشير إلى أن «أقصى اليمين نجح في إعادة صياغة خطابه السياسي ليبدو أكثر قربًا من الهموم اليومية للفرنسيين، مستفيدًا من تراجع الثقة في الأحزاب التقليدية، سواء من اليمين الكلاسيكي أو اليسار».
كما لفت إلى أن هذا التيار استطاع توسيع قاعدته الانتخابية عبر استقطاب فئات كانت في السابق بعيدة عنه، مثل بعض الطبقات الوسطى والعمالية.
ومع ذلك، يشدد الخبير على أن هذا التقدم لا يعني بالضرورة حسم الطريق نحو الإليزيه، موضحًا أن جزءًا مهمًا من الناخبين الفرنسيين لا يزال يتحفظ على وصول هذا التيار إلى السلطة، لأسباب تتعلق بتاريخه السياسي أو مواقفه من بعض القضايا الحساسة.
وبحسب مونجريني، فإن النظام الانتخابي الفرنسي، القائم على جولتين، يخلق ديناميكية مختلفة في المرحلة الحاسمة، حيث تتشكل تحالفات ظرفية قد تعيق فوز المرشح المتصدر في الجولة الأولى.
«السيولة الانتخابية»
في المقابل، تقول الباحثة الفرنسية نونّا ماير، المتخصصة في سلوك الناخبين، لـ«العين الإخبارية»، إن أحد أبرز سمات المرحلة الحالية في فرنسا يكمن في عامل «السيولة الانتخابية».
وتوضح ماير أن «نسبة كبيرة من الناخبين لم تحسم خياراتها بعد، ما يجعل المشهد الانتخابي قابلًا للتغير بشكل سريع خلال الحملة».
وتؤكد أن «الفوارق الضئيلة بين المرشحين، خاصة في المعسكرين الوسطي واليساري، تعني أن أي تطور، سواء كان سياسيًا أو إعلاميًا يمكن أن يعيد ترتيب موازين القوى في وقت قصير».
وبالنسبة لها، فإن شخصية المرشح، والأداء في المناظرات، وقدرته على إقناع الناخبين المترددين، ستكون عوامل حاسمة في تحديد هوية المتأهل إلى الجولة الثانية.
كما أن التجارب الانتخابية السابقة في فرنسا أظهرت أن جزءًا من الناخبين يتخذ قراره في اللحظات الأخيرة، بل إن بعضهم يغير موقفه بين الجولتين، ما يعزز من حالة عدم اليقين، وفق الخبيرة.
وهذا العامل، إلى جانب استمرار وجود «تصويت مضاد» لأقصى اليمين، تتابع، يجعل من الصعب الجزم بنتيجة الانتخابات رغم تقدم هذا التيار في استطلاعات الرأي.
سيناريوهات مفتوحة
في غضون ذلك، يظل سلوك الناخبين غير مستقر، ما يبقي جميع السيناريوهات مفتوحة حتى اللحظة الأخيرة.
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو الانتخابات الرئاسية المقبلة في فرنسا واحدة من أكثر الاستحقاقات غموضًا، حيث لا يكفي التقدم في استطلاعات الرأي لضمان الوصول إلى السلطة.
وتعتبر صحيفة «ليزيكو»، أنه في فرنسا ما بعد إيمانويل ماكرون، تبدو معركة الرئاسة مفتوحة على جميع الاحتمالات، رغم تصدر أقصى اليمين نوايا التصويت في الجولة الأولى.
وبحسب استطلاعات حديثة، يحافظ حزب «التجمع الوطني» على موقعه في الصدارة، لكن المنافسة على بطاقة التأهل الثانية إلى الجولة الحاسمة لا تزال شديدة التقارب بين عدة مرشحين.
وتشير المعطيات إلى سباق خماسي محتدم، حيث تتقارب نسب التأييد بين مرشحي الوسط واليسار، ما يجعل الفارق بينهم لا يتجاوز نقاطًا قليلة، وهو ما يفتح الباب أمام سيناريوهات متعددة قد تُحسم في اللحظات الأخيرة.
ورغم أن أقصى اليمين يواصل تعزيز موقعه الانتخابي، فإن النظام الانتخابي الفرنسي القائم على جولتين يجعل من الصعب ترجمة هذا التقدم إلى فوز نهائي.
فالتاريخ الانتخابي الحديث أظهر أن «الجبهة الجمهورية»، أي تكتل القوى السياسية المختلفة ضد أقصى اليمين، قد تعود مجددًا لتغيير النتائج في الجولة الثانية.
كما أن تشتت المعسكر الوسطي، واحتمال تعدد المرشحين من نفس التيار، قد يؤدي إلى توزيع الأصوات بشكل يربك الحسابات، ويمنح أفضلية ظرفية لمنافسين غير متوقعين.
ومع اقتراب موعد الانتخابات، تبدو الأسابيع المقبلة حاسمة في تحديد ملامح السباق، حيث يسعى كل مرشح إلى كسب نقاط إضافية في سباق قد يُحسم بفارق ضئيل جدًا.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، تبقى معركة الإليزيه مفتوحة، حيث لا يكفي التقدم في استطلاعات الرأي لضمان الوصول إلى السلطة، بل يتطلب الأمر القدرة على بناء تحالفات واسعة وتجاوز الانقسامات السياسية في الجولة الحاسمة.