يسار فرنسا واختبار 2027.. تحالفات هشة في مواجهة يمين صاعد
بين طموح توحيد الصفوف وواقع الانقسامات الأيديولوجية والشخصية، يقف يسار فرنسا أمام اختبار مصيري قبل الانتخابات الرئاسية لعام 2027.
فعلى الرغم من محاولات إطلاق انتخابات تمهيدية مشتركة، لا تزال الخلافات العميقة بين مكوناته الرئيسية تهدد بإعادة إنتاج مشهد التشتت، بما يمنح اليمين فرصة لتعزيز موقعه في السباق الرئاسي المقبل، وفق خبراء لـ«العين الإخبارية».
- «اختراق الإخوان» يهز يسار فرنسا.. «نزيف» في حزب ميلانشون
- زعيم شيوعي.. يسار فرنسا يتفق على مرشح للجمعية الوطنية
الانتخابات التمهيدية لليسار الموحّد
ومن المقرر أن تُجرى الانتخابات التمهيدية لليسار الموحّد، باستثناء حركة «فرنسا الأبية»، وحركة «بلاس بوبليك»، والحزب الشيوعي الفرنسي، في 11 أكتوبر/تشرين الأول المقبل. وقد أعلنت النائبة كليمانتين أوتان ذلك يوم السبت، خلال مؤتمر صحفي حضره بقية المرشحين للانتخابات التمهيدية.
وأوضح المرشح فرانسوا روفان أن هذا الاقتراع سيتم عبر تصويت حضوري، معربًا عن أمل منظمي الانتخابات في استقطاب نحو مليوني ناخب.
تحديات الانقسام داخل اليسار
رغم الإعلان عن هذه الانتخابات التمهيدية، يواجه اليسار الفرنسي سلسلة من العراقيل، أبرزها رفض بعض القوى الرئيسية المشاركة، وعلى رأسها زعيم حركة «فرنسا الأبية» جان-لوك ميلانشون، ومرشح حركة «بلاس بوبليك» رافاييل غلوكسمان.
وعلى خلفية خطوط سياسية متعارضة، يواصل هؤلاء رفضهم الانخراط في هذا السباق، معتبرين أنهم قادرون على الفوز مباشرة من خلال التعويل على ما يُعرف بـ«صوت الاختيار المفيد» لدى الناخبين.
كما لم ينضم الحزب الشيوعي الفرنسي بدوره إلى هذه المبادرة، رغم اعتقاد قادة الحزب الاشتراكي والبيئيين بأنه قد يلتحق بها لاحقًا.
الخلافات داخل الحزب الاشتراكي
وذكرت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن الأمين العام للحزب الاشتراكي، أوليفييه فور، يؤيد مبدأ الانتخابات التمهيدية، لكنه غير قادر على الالتزام الكامل بها قبل إجراء تصويت داخلي للأعضاء عقب الانتخابات البلدية.
وأشارت الصحيفة إلى وجود معارضة داخلية، خصوصًا من معسكر رئيس بلدية روان، نيكولا ماير-روسينول، الذي خسر بفارق ضئيل سباق قيادة الحزب في يونيو/حزيران 2025، وقد عبّر هذا التيار عن رفضه خلال اجتماع المكتب الوطني.
محاولات إنشاء تحالفات إصلاحية
وبحسب «لوموند»، فإن بعض الشخصيات السياسية، مثل الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا هولاند، تدعم فكرة إنشاء تحالف إصلاحي يمتد من الاشتراكيين إلى رافاييل غلوكسمان ويانيك جادو، بهدف تسمية مرشح توافقي.
ويرى هولاند أن الانتخابات التمهيدية تفقد معناها الحقيقي في ضوء ما يحدث داخل الجمعية الوطنية، حيث صوّت البيئيون وكليمانتين أوتان وفرانسوا روفان ضد ميزانية الحكومة، ما يهدد استقرارها.
التحفظات على العملية الحالية
وأشارت الصحيفة الفرنسية إلى أنه في ظل غياب رافاييل غلوكسمان، لا يبدو أن بعض الشخصيات المؤثرة، مثل معسكر بوريس فالّو، متحمسة لهذه الانتخابات التمهيدية، التي وصفها بأنها «مجرد تجميعات مؤقتة».
ويطالب هذا التيار بأن يحدد الحزب الاشتراكي مرشحه مسبقًا، مع الإبقاء على الطموحات الشخصية لبعض قياداته.
وقال أستاذ العلوم السياسية الفرنسي المتخصص في الأحزاب السياسية في معهد الدراسات السياسية في باريس، بونو كورتييه، في حديث لـ«العين الإخبارية»، إن الانقسامات الحالية داخل صفوف اليسار تعكس صراعات أيديولوجية قديمة بين جناحي الاشتراكيين واليسار الراديكالي، حيث يركز كل طرف على استراتيجيات مختلفة للوصول إلى السلطة، ما يقلل من فرص توحيد الصفوف خلف مرشح قوي.
وأضاف أن الانتخابات التمهيدية، رغم أهميتها الرمزية، قد تتحول إلى مجرد «عرض سياسي» لا يؤدي بالضرورة إلى توحيد الفعل الانتخابي.
وأشار إلى أن العوامل الشخصية والرمزية داخل الأحزاب تؤثر بشكل كبير في نتائج الانتخابات التمهيدية، لافتًا إلى أن محاولات خلق «مرشح توافقي» تصطدم بالسياسات الفردية للأحزاب الصغيرة وبالمنافسة بين شخصيات بارزة مثل ميلانشون وغلوكسمان.
ورأى أن استمرار هذه الانقسامات قد يمنح أحزاب اليمين ميزة استراتيجية في السباق الرئاسي لعام 2027، في ظل عجز اليسار عن الاصطفاف خلف مرشح واحد قوي.
سيناريوهات المستقبل
من جانبه، رسم أستاذ العلوم السياسية الفرنسي في معهد توماس مور، جون سيلفستر مونجيريني، في تصريحات لـ«العين الإخبارية»، عدة سيناريوهات لمستقبل اليسار الفرنسي.
وأوضح أن السيناريو الأول يتمثل في استمرار الانقسام، مشيرًا إلى أنه «إذا واصل اليسار التمسك بخطوطه الأيديولوجية المتعارضة، فهناك احتمال كبير ببقاء الانقسامات قائمة، ما سيؤدي إلى العجز عن توحيد الصفوف خلف مرشح واحد». واعتبر أن هذا المسار سيؤدي إلى استهداف كل حزب قاعدته الانتخابية الخاصة، ما يضعف القدرة على مواجهة مرشح قوي من اليمين.
أما السيناريو الثاني، فيقوم على إمكانية خلق مرشح توافقي يتم اختياره عبر عملية تمهيدية واسعة تضم الاشتراكيين والبيئيين وبعض الفصائل الإصلاحية. لكنه حذّر من هشاشة هذا السيناريو، نظرًا لاحتمال رفض شخصيات كبرى مثل ميلانشون أو غلوكسمان المشاركة، ما يضعف مصداقية العملية أمام الناخبين.
وأشار مونجيريني إلى سيناريو ثالث، يتمثل في انسحاب بعض القادة البارزين من الانتخابات التمهيدية والتركيز على خوض حملة رئاسية مباشرة، انطلاقًا من قناعة بأن التصويت التمهيدي لا يخدم مصالحهم. واعتبر أن هذا الخيار يعكس ثقافة «الصوت المفيد» لدى بعض التيارات اليسارية، لكنه قد يؤدي إلى تفتيت القاعدة الانتخابية ومنح اليمين فرصة للتفوق منذ الجولة الأولى.
وختم بالإشارة إلى سيناريو رابع، طويل المدى، قد يفرض فيه الواقع السياسي إعادة تشكيل الخريطة اليسارية عبر تحالفات جديدة تجمع اليسار المعتدل والإصلاحي، بما في ذلك الاشتراكيين والبيئيين وشخصيات مستقلة، لتقديم مشروع موحد للناخبين. وأكد أن نجاح هذا السيناريو مرهون بتجاوز الخلافات الشخصية والسياسية، وبتوافر قيادة مركزية قوية ورؤية استراتيجية واضحة.
aXA6IDIxNi43My4yMTYuMTQxIA== جزيرة ام اند امز