«لوفيغارو»: الإخوان يحدثون شرخا داخل النخبة السياسية الفرنسية
على مسرح السياسة الفرنسية المتقلب والقلق، أصبح ملف جماعة الإخوان سببًا إضافيًا لتصدعات داخل بنية النخب الحزبية.
وبينما تُسارع دول حول العالم إلى تصنيف الجماعة تنظيمًا إرهابيًا، لم تُبدِ باريس ردّة الفعل نفسها تجاه حظر أنشطة التنظيم، رغم تقرير استخباراتي رسمي حذّر من مخاطره على قيم الديمقراطية الجمهورية.
واعتبرت صحيفة "لوفيغارو" الفرنسية، في تقرير نشرته الإثنين، أن الإخوان يُحدثون شرخًا داخل النخبة السياسية الفرنسية، موضحة أنه بعد أشهر قليلة من نشر تقرير رسمي حول جماعة الإخوان، صادق البرلمان الفرنسي على مقترح تقدم به حزب الجمهوريين لإدراج الحركة على قائمة المنظمات الإرهابية، من دون أصوات اليسار.
ولفتت الصحيفة الفرنسية إلى أنه بعد نقاش محتدم في الجمعية الوطنية، وقرارات حظر في الأرجنتين والولايات المتحدة، ويقظة متزايدة من أجهزة الاستخبارات الأوروبية، وبعد أشهر من صدور التقرير الرسمي المعنون "الإخوان والإسلام السياسي في فرنسا"، الذي قوبل بالتناوب بالإشادة أو التقليل من شأنه أو الهجوم عليه، أصبحت الجماعة تحت المجهر.
وهو ما يكشف، بعيدًا عن السجالات الظرفية والحسابات الانتخابية، خطوط الانقسام العميقة داخل الطبقة السياسية والمجتمع الفرنسيين بشأن مسألة الإسلاموية.
تصويت كاشف للانقسام
وتجلّت هذه الانقسامات بوضوح، وفقًا للصحيفة الفرنسية، يوم 22 يناير/كانون الثاني الماضي، خلال اعتماد مقترح قرار أوروبي، بمبادرة من نائب حزب الجمهوريين إريك بوجيه، يهدف إلى إدراج حركة الإخوان على القائمة الأوروبية للمنظمات الإرهابية.
وعلى المستوى العملي، يبقى تأثير الخطوة مرهونًا بنص غير ملزم، يكتفي بدعوة المفوضية الأوروبية إلى إطلاق مسار تقييم قد يفضي، نظريًا، إلى هذا التصنيف.
لكن رمزيًا، كانت المبادرة شديدة الوقع، تمامًا كما حدث مع قرار آخر تقدّم به نواب التيار الماكروني، دعا إلى إدراج الحرس الثوري الإيراني على اللائحة الأوروبية نفسها، وهو قرار اتخذه الاتحاد الأوروبي في 29 يناير/كانون الثاني بدعم من عدد كبير من الدول الأعضاء.
ووفقًا للصحيفة الفرنسية، بدا قرار الإخوان أكثر تفجيرًا للمشهد الداخلي الفرنسي من قرار الحرس الثوري الإيراني.
اتهامات مباشرة
ووجّه البرلماني الفرنسي إريك بوجيه انتقاداته لتنظيم يصفه بأنه قائم على دوائر متداخلة، بعدد محدود من النشطاء المنتقين، مع قدرة تأثير أوسع على جماهير كبيرة، فيما يشبه، بحسبه، نسخة إخوانية من حزب الطليعة اللينيني (نسبة إلى فلاديمير لينين).
وذكّر النائب بأن النمسا، العضو في الاتحاد الأوروبي، حظرت الجماعة عام 2021.
ويندد القرار بحركة "عابرة للحدود" وبـ"شبكة أيديولوجية منظمة تدعو إلى إقامة نظام سياسي قائم على الشريعة"، مؤكدًا أنها، "رغم عملها غالبًا تحت غطاء جمعيات دعوية أو تعليمية أو دينية، تمارس نفوذًا قائمًا على التغلغل المؤسساتي، واستغلال الحريات الأساسية، وبناء مجتمعات موازية ذات طابع ديني".
يسار موحد في الرفض
في مواجهة ما وصفه القرار بالتهديد، دعا النص المفوضية الأوروبية إلى الطلب من المجلس إدراج حركة الإخوان وقادتها على القائمة الأوروبية للمنظمات الإرهابية، بسبب "أيديولوجيتها التخريبية، ودعواتها إلى الكراهية، ونشاطها الخفي ضد المؤسسات الديمقراطية"، إضافة إلى "دعمها لكيانات إرهابية".
وأشارت "لوفيغارو" إلى أنه، نظريًا، بدا المقترح متواضعًا، إذ لا يتجاوز طلب تقييم أوروبي لحركة تُعد شخصياتها البارزة معروفة بتصريحاتها المتطرفة ضد الغرب والنساء، وكان من الممكن توقع حد أدنى من التوافق.
لكن أي توافق حول الإسلام السياسي لم يعد قائمًا في فرنسا عام 2025. فقد أُقر القرار بـ157 صوتًا (الجمهوريون، والاتحاد من أجل الجمهورية، والتجمع الوطني، والنهضة) مقابل 101 صوت معارض. وسخر التجمع الوطني مما اعتبره تأخرًا من اليمين والوسط في التعامل مع الملف.
أما اليسار، فقد صوّت موحدًا ضد القرار، معتبرًا إياه مناورة سياسية خطيرة.
الحظر.. بين الداخل والخارج
ويفسر هذا السياق تصويت اليسار ضد قرار الجمهوريين، كما يعكس الانقسام الحاد داخل فرنسا، في وقت تتجه فيه دول أخرى إلى مواقف أكثر صرامة.
فالولايات المتحدة، تلتها الأرجنتين، صنّفت فروع الإخوان في مصر والأردن ولبنان منظمات إرهابية، بسبب صلاتها بحماس أو حزب الله. كما حظرت الأردن الجماعة، لتنضم إلى دول عربية كانت سبقتها إلى القرار، وعلى رأسها الإمارات ومصر والسعودية.
وفي فرنسا، لا يزال التوافق بعيد المنال، فالتجمع الوطني يطالب بالحظر منذ سنوات، بينما يعارضه اليسار بشدة.
مراقبة استخباراتية مستمرة
ويرى خبراء، مثل برنار روجيه وفلورانس بيرجود-بلاكليه، أن الحظر وحده لن يحل المشكلة، معتبرين أن حظر أيديولوجيا يظل مسألة معقدة.
لكن المؤكد أن الجماعة، محظورة أو غير محظورة، تخضع لمراقبة لصيقة من أجهزة الاستخبارات الأوروبية، وهو ما يظهر في التقرير السنوي لجهاز أمن الدولة البلجيكي، الذي أكد أن أيديولوجيا الإخوان "قد تسهم في مناخ من الانقسام والاستقطاب، وتشكل أرضية خصبة للتطرف".