الغرب والإخوان.. «الصحوة المتأخرة» لم تمنع المواجهة
تغلغل إخواني متدرج عبر الزمن في الغرب جعل أعراض الخطر لا تظهر باكرا، ما أرجأ المواجهة.
لكن بعد عقود من الحذر والترقب في العالم العربي، تشهد الساحة الغربية تحولًا لافتًا في مقاربتها لجماعة الإخوان، مع تزايد التدابير التي تستهدف أنشطتها وشبكاتها العابرة للحدود.
وجاء إعلان الأرجنتين مؤخرًا تصنيف الجماعة منظمة إرهابية ليشكل محطة مفصلية في هذا المسار، منسجمًا مع خطوات متصاعدة في الولايات المتحدة، سواء على المستوى الفيدرالي أو في ولايات مثل تكساس وفلوريدا.
ويضاف إلى ذلك تحركات أوروبية متفرقة لتشديد الرقابة على الكيانات المرتبطة بالجماعة.
وترى صحيفة ”جيروزاليم بوست” الإسرائيلية أن هذا التحول يثير تساؤلات جوهرية مثل: ما الذي دفع دولًا ديمقراطية لطالما تبنّت نهج التسامح والانفتاح إلى إعادة النظر في تعاملها مع جماعة لطالما قدّمت نفسها عبر قنوات تعليمية وخيرية ومجتمعية؟
تدرج
من وجهة نظر العديد من الحكومات العربية، تكمن الإجابة في إدراك غربي متأخر لطبيعة الخطر الذي تمثله الجماعة، وهو خطر لا يعتمد على العنف المباشر، بل على استراتيجية “التدرّج” التي أتقنتها على مدى قرابة قرن.
وتعتمد هذه الاستراتيجية على التغلغل البطيء والمنهجي داخل مؤسسات المجتمع المدني، من مدارس وجمعيات خيرية وأندية شبابية ورياضية، وكل ذلك ضمن الأطر القانونية وبخطاب يزعم ظاهرًا احترام قيم الدولة الديمقراطية.
غير أن الهدف النهائي، وفق منتقدي الجماعة، يتمثل في ترسيخ أيديولوجيا تتناقض جوهريًا مع مبادئ التعددية والمساواة والديمقراطية نفسها التي تتيح لها العمل.
وعلى عكس التنظيمات المسلحة التقليدية، لا تعتمد جماعة الإخوان على التفجيرات أو المواجهة المباشرة، بل على القضاء وآليات التمويل وخطاب “الحوار”، مع تشجيع ثقافة الانعزال المجتمعي وانعدام الثقة في شرعية النظم الديمقراطية ما لم تُفضِ إلى نتائج تخدم مشروعها.
كلفة سياسية
بدأت الحكومات الغربية، ببطء وبكلفة سياسية، تلمس الآثار التراكمية لهذا النهج.
فقد وثّقت مراجعات رسمية وقضايا نظرتها المحاكم في دول مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا والنمسا نمطًا متكررًا لمنظمات تتحدث بلغة الحقوق المدنية، بينما تعمل في الخفاء على بناء مجتمعات موازية وتعميق الانقسام الطائفي.
وهذا الإدراك ازداد وضوحًا بعد أحداث السابع من أكتوبر/تشرين أول 2023، حين تصاعد الخطاب المؤيد لحركة حماس الفلسطينية، والتي تُعد فرعًا أيديولوجيًا لجماعة الإخوان، في مدن غربية عدة، مع تبرير العنف تحت شعار “المقاومة”، ما كشف عن عمق التأثير الفكري الذي ترسخ على مدى عقود.
وأبرزت هذه التطورات، بحسب منتقدين، ازدواجية معيارية لافتة، حيث جرى توظيف القضية الفلسطينية لتبرير العنف، مقابل صمت ملحوظ إزاء انتهاكات جسيمة في ساحات أخرى، مثل ما يحدث داخل إيران.
ويرى محللون أن هذه الانتقائية ليست عفوية، بل نتاج إطار أيديولوجي طويل الأمد يضفي شرعية أخلاقية على العنف عندما يخدم سردية بعينها.
معضلة
في المقابل، تقدم التجربة العربية سياقًا مختلفًا. فالدول التي منحت الإخوان مساحة للعمل السياسي أو المجتمعي لم تشهد، بحسب روايتها، تعايشًا سلميًا مستدامًا، بل صراعًا على الهيمنة وزعزعة للاستقرار.
وهذا ما يفسر تصنيف الجماعة منذ سنوات كتهديد للأمن القومي في عدد من الدول العربية، والنظر بريبة إلى التردد الغربي الذي مكّنها من التمدد.
واليوم، تواجه أوروبا معضلة حقيقية. فالإجراءات الوطنية المنفردة تسمح للشبكات العابرة للحدود بالتكيف السريع ونقل أنشطتها من دولة إلى أخرى.
ويطرح ذلك تساؤلًا حول جدوى مقاربة أوروبية موحّدة، لا بوصفها قمعًا للحريات أو تجريمًا للدين، بل كمسعى للفصل بين المشاركة المدنية المشروعة والحركات التي تستغل الانفتاح الديمقراطي لتقويضه من الداخل.
ووفق الصحيفة، فإن قرار الأرجنتين، إلى جانب الإجراءات الأمريكية المتزايدة والمواقف العربية الراسخة، لا يبدو حدثًا معزولًا، بل هو جزء من مسار أوسع يعكس وعيًا غربيًا متأخرًا بأن الأيديولوجيا، حين تتحلى بالصبر وتتحرك ضمن القانون، قد تكون خطيرة بقدر العنف الصريح.
aXA6IDIxNi43My4yMTYuODQg جزيرة ام اند امز