رئاسيات فرنسا 2027.. بين إعادة تعريف أوروبا واستمالة «الضواحي»
مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الفرنسية لعام 2027، تتصاعد النقاشات حول توجهات البرامج السياسية للأحزاب الرئيسية، وسط جدل واسع بشأن مستقبل العلاقة مع الاتحاد الأوروبي، ومحاولات استقطاب شرائح اجتماعية مهمشة انتخابيًا.
وبين مشروع "التغيير من الداخل" الذي يطرحه اليمين القومي، وخطاب إعادة التواصل مع "فرنسا الضواحي" الذي تتبناه شخصيات من اليسار، تتشكل معالم معركة انتخابية تحمل رهانات سياسية عميقة.
قطيعة محتملة مع الإرث الأوروبي
ويرى المؤرخ لوران وارلوزيه أن تطبيق برنامج "التجمع الوطني" قد يؤدي إلى قطيعة عميقة مع السياسة الأوروبية التي انتهجتها فرنسا منذ عام 1950.
ورغم تخلي الحزب عن فكرة الخروج من الاتحاد الأوروبي (Frexit)، فإنه يدعو إلى إعادة صياغة الاتحاد من الداخل، بما يقلّص من طابعه الفيدرالي، بحسب صحيفة "لوموند" الفرنسية.
ويحذر وارلوزيه من أن هذا التوجه قد يفرغ الاتحاد الأوروبي من مضمونه، محولًا إياه إلى مجرد منطقة تبادل حر دون التزامات مشتركة حقيقية، فضلا عن أن التشكيك في الطابع الفيدرالي للاتحاد قد يضعف مبدأ المعاملة بالمثل، الذي يُعد ركيزة أساسية في البناء الأوروبي.
توازن دقيق
ومنذ إعلان شومان عام 1950، دعمت الحكومات الفرنسية المتعاقبة مشروعًا أوروبيًا قائمًا على مؤسسات شبه فيدرالية، حيث تُدار بعض السياسات بشكل مشترك، خصوصًا في المجال الاقتصادي، بينما تبقى ملفات السيادة مثل الدفاع والعدالة ضمن الاختصاص الوطني.
وقد مكن هذا التوازن فرنسا من الاستفادة من السوق الأوروبية الموحدة، وتعزيز صادراتها، والحصول على دعم مالي للقطاعات الزراعية والمناطق الأقل نموًا، إلى جانب تطوير سياسات بيئية واجتماعية مشتركة.
مخاوف من تفكيك تدريجي
ويصف وارلوزيه رؤية اليمين القومي لأوروبا بأنها «أوروبا من خزف»، أي كيان هش يبدو متماسكًا ظاهريًا، لكنه يفتقر إلى العمق المؤسسي.
ويرى أن هذا التوجه قد يؤدي إلى تقويض عقود من التكامل الأوروبي، ويطرح تساؤلات حول مستقبل التعاون بين الدول الأعضاء.
رهان اليسار.. استعادة «فرنسا الضواحي السكنية»
في المقابل، يركز النائب الأوروبي رافائيل غلوكسمان على كسب دعم ما يسميه «فرنسا الضواحي السكنية»، وهي المناطق الواقعة بين المدن الكبرى والأرياف، والتي تضم نسبة كبيرة من الطبقة المتوسطة، بحسب إذاعة "20 مينيت" الفرنسية.
وخلال ظهوره في نشرة الأخبار على قناة "تي إف.1"، أعلن غلوكسمان عزمه دراسة الترشح للرئاسة خلال ثلاثة أشهر، مؤكدًا ضرورة إعادة التواصل مع هذه الفئة التي يرى أن اليسار أهملها في السنوات الأخيرة.
«فرنسا الضواحي».. واقع اجتماعي وسياسي معقد
وتشير الإحصاءات إلى أن أكثر من نصف المساكن في فرنسا هي منازل فردية، تتركز بشكل كبير في المناطق شبه الحضرية. ويُعد هذا النمط السكني حلمًا لغالبية الفرنسيين، لما يوفره من مساحة وهدوء واستقلالية.
غير أن هذه المناطق تشهد تباينات اجتماعية واقتصادية كبيرة، كما أنها أصبحت خلال السنوات الأخيرة أرضية خصبة لصعود اليمين القومي، خاصة في ظل شعور بعض سكانها بالتهميش أو تجاهل مطالبهم.
تحولات في الخريطة الانتخابية
ويؤكد خبراء أن التصويت في المناطق الريفية وشبه الحضرية يميل بشكل متزايد لصالح «التجمع الوطني»، وهو اتجاه تعزز منذ وصول جان-ماري لوبان إلى الدور الثاني في انتخابات 2002.
ويعكس هذا التحول فجوة متنامية بين مراكز المدن الكبرى، التي تميل إلى التصويت للأحزاب التقدمية، والمناطق الطرفية التي تبحث عن بدائل سياسية تعبر عن مخاوفها الاقتصادية والاجتماعية.
معركة البرامج.. بين السيادة والتمثيل الاجتماعي
وتكشف البرامج السياسية المطروحة لانتخابات 2027 عن صراع مزدوج: من جهة، نقاش حول موقع فرنسا داخل الاتحاد الأوروبي ومستقبل التكامل الأوروبي، ومن جهة أخرى، سباق لاستقطاب فئات اجتماعية تشعر بالتهميش.
وبين دعوات إعادة تعريف المشروع الأوروبي، ومحاولات إعادة بناء قاعدة انتخابية في المناطق المهمشة، تبدو الانتخابات المقبلة مفتوحة على جميع الاحتمالات، في ظل تحولات عميقة يشهدها المشهد السياسي الفرنسي.
انتخابات على مفترق طرق
تعكس التحركات السياسية الحالية استعدادًا لمعركة انتخابية غير تقليدية، حيث لم تعد الانقسامات تقتصر على اليمين واليسار، بل تمتد إلى قضايا أعمق تتعلق بالهوية الأوروبية، والعدالة الاجتماعية، وتمثيل مختلف فئات المجتمع.
وفي ظل هذه المعطيات، ستكون انتخابات 2027 اختبارًا حقيقيًا لقدرة الأحزاب على تقديم رؤى متماسكة تستجيب لتحديات الداخل والخارج في آن واحد.