«البوندسفير» في «ثورة صامتة».. جيش ألمانيا بين الطموح والتحديات

بعد عقود من التراجع والانكفاء العسكري، تعود ألمانيا إلى سباق التسلح الدولي بخطة طموحة تستهدف بناء رابع أكبر جيش في العالم.
وبحسب موقع "بوليتيكو"، فإن هذه العودة لم تأتِ من فراغ، بل فرضتها تحولات جيوسياسية متسارعة، بدءاً من الحرب الروسية في أوكرانيا، مروراً بتصاعد التهديدات في شرق أوروبا، وصولاً إلى احتمالات تراجع الالتزام الأمريكي بأمن القارة العجوز.
ويأتي ذلك خصوصاً في ظل مواقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والذي لم يُخفِ استياءه من أعباء حلف شمال الأطلسي "الناتو".
«ثورة صامتة»
في هذا السياق، شرعت برلين في ما يمكن وصفه بـ"ثورة عسكرية صامتة"، فقد أقرّت الحكومة الألمانية ميزانية دفاعية غير مسبوقة بلغت 100 مليار يورو كصندوق خاص لتعزيز قدرات الجيش، مع وعود بتحويل "البوندسفير" (الجيش) من قوة تقليدية دفاعية ضعيفة الإمكانات إلى قوة عسكرية قادرة على الردع والانتشار.
وبحسب تقديرات رسمية، فإن الجيش الألماني قد يصبح بحلول 2030 رابع أكبر قوة مسلحة على مستوى العالم بعد الولايات المتحدة والصين والهند.
عقبة التجنيد
رغم الطموحات الكبيرة، يظل الطريق شاقاً، فعدد أفراد الجيش الألماني لا يتجاوز 180 ألف جندي، وهو أقل بكثير من المتطلبات الاستراتيجية لمواجهة التحديات الأمنية الراهنة.
وقد وضعت وزارة الدفاع الألمانية هدفا لرفع العدد إلى أكثر من 200 ألف بحلول عام 2031، لكن الأرقام على الأرض لا تبشر بالنجاح؛ إذ لم يتجاوز عدد المتقدمين للخدمة العسكرية في 2023 عشرة آلاف فقط.
ويرجع ذلك إلى عزوف الشباب عن الانخراط في الجيش في ظل سوق عمل قوية توفر فرصا مدنية أفضل، فضلا عن الإرث التاريخي للحربين العالميتين الذي لا يزال يثقل صورة المؤسسة العسكرية في الوعي العام.
تحديات لوجستية وبيروقراطية
إلى جانب نقص القوى البشرية، يواجه الجيش مشكلات تنظيمية وميدانية متراكمة، وقد كشفت تقارير رسمية عن وحدات تعاني من نقص المعدات ودبابات وطائرات غير جاهزة للقتال.
كما يتعرض برنامج التسلح الذي أُطلق بعد حرب أوكرانيا لانتقادات بسبب البيروقراطية والتأخير في تنفيذ العقود.
وحتى مع التزام برلين برفع الإنفاق الدفاعي إلى ما يفوق 2 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي – وهو الهدف الذي حدده الناتو –، يحذر خبراء من أن ضخ الأموال وحده لن يضمن بناء جيش قادر على التحرك السريع والردع الفعّال.
بعد داخلي
على المستوى الداخلي، يثير المشروع العسكري نقاشا محتدما. فاستطلاعات الرأي تظهر أن غالبية الألمان باتوا يؤيدون تعزيز القدرات الدفاعية، إلا أن شريحة واسعة لا تزال تخشى عسكرة السياسة الخارجية أو عودة النزعة القومية.
كما تواجه المؤسسة العسكرية تحديا حساسا يتمثل في محاولات اختراق من تيارات أقصى اليمين، ما دفع السلطات إلى فتح تحقيقات للتأكد من ولاء العناصر للقيم الديموقراطية.
بعد خارجي
أما على الصعيد الأوروبي، فإن إعادة بناء الجيش الألماني تثير تساؤلات حول موازين القوى داخل الاتحاد. فبينما ترحب بولندا ودول البلطيق بعودة "ألمانيا المسلحة" باعتبارها ضمانة لردع موسكو، تبدي دول أخرى في القارة مخاوفها التاريخية من تنامي النفوذ العسكري الألماني.
وهنا تستعيد الذاكرة الأوروبية شبح الحربين العالميتين وما خلفتاه من دمار، لتضع علامات استفهام حول مستقبل التوازن العسكري والسياسي داخل الاتحاد الأوروبي.
في المقابل، يرى خبراء أن برلين لا تملك ترف البقاء مترددة. فالحرب في أوكرانيا، التي قلبت معادلات الأمن الأوروبي رأساً على عقب، أظهرت هشاشة البنية الدفاعية للقارة أمام تهديدات روسيا، وأكدت أن "المظلة الأمريكية" لم تعد مضمونة بالقدر ذاته كما كان الحال في العقود الماضية.
وبذلك، فإن صعود الجيش الألماني لا يمثل خيارا بقدر ما هو ضرورة استراتيجية لملء فراغ أمني يتسع يوما بعد يوم.
وأشار التقرير إلى أن عجلة التغيير قد انطلقت بالفعل، حيث وقع الجيش الألماني صفقات ضخمة لشراء مقاتلات أمريكية من طراز إف-35، ومروحيات ثقيلة، وأنظمة دفاع جوي متطورة.
وإلى جانب خطط لزيادة عدد القوات البرية وتجهيزها بأحدث الدبابات، تشير كل هذه الخطوات إلى أن الجيش الألماني يستعد لمرحلة جديدة قد تعيد رسم ملامح القوة في أوروبا.