السياحة في اليونان.. جاذبية مهددة وسط توترات جيوسياسية
تبدأ مؤشرات الموسم السياحي في اليونان لعام 2026 بإثارة بعض التساؤلات حول وتيرة الإقبال السياحي، في ظل ارتفاع الأسعار وتوترات جيوسياسية إقليمية، رغم استمرار التوقعات بتحقيق موسم سياحي قوي جديد.
وبينما تبدو المدن والمواقع الأثرية مكتظة بالزوار، يشير مهنيون في القطاع إلى حالة من الترقب والحذر مع بداية الموسم.
موسم سياحي بين التفاؤل والقلق
وقالت صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية إن اليونان تعيش هذا الصيف على وقع سيناريوهين متناقضين؛ الأول متفائل يتوقع استمرار الأرقام القياسية التي سجلها القطاع في 2025، حيث استقبلت البلاد أكثر من 43 مليون زائر دولي وحققت عائدات تجاوزت 23 مليار يورو، بحسب بيانات بنك اليونان.
أما السيناريو الثاني فيحمل قدراً من القلق المرتبط بالتوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، وارتفاع أسعار تذاكر الطيران، إضافة إلى تباطؤ في حجوزات اللحظة الأخيرة.
ورغم هذه المؤشرات، لا تزال العاصمة أثينا تشهد حركة سياحية نشطة، حيث تمتلئ المقاهي وتزدحم السفن المتجهة إلى الجزر، فيما تستمر الوفود السياحية في التوافد إلى موقع الأكروبوليس التاريخي.
استقرار ظاهري يخفي حذراً في القطاع
وأشارت «لوفيغارو» إلى أن الصورة تبدو مطمئنة على السطح، لكن العاملين في القطاع السياحي يعترفون بوجود حالة ترقب متزايدة.
من جانبه، قال مرشد سياحي في أثينا إن اليونان تستقبل أعداداً ضخمة من الزوار تفوق سكانها بأضعاف، ما يجعل السياحة ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني الذي يعتمد عليها بنحو 25% من الناتج المحلي.
في المقابل، يشير خبراء إلى أن نسبة من السياح تُقدَّر بنحو 10% تفضل تأجيل قرارات السفر حتى اللحظة الأخيرة، في ظل حالة عدم الاستقرار العالمية، ما يخلق تقلبات في وتيرة الحجوزات.
تأثير التوترات العالمية وارتفاع التكاليف
يراقب العاملون في القطاع بقلق تطورات الأوضاع الجيوسياسية، خاصة التوترات في الشرق الأوسط ومخاطرها المحتملة على حركة السفر. كما يشكل ارتفاع أسعار الوقود وتذاكر الطيران عاملاً إضافياً يؤثر على قرارات العائلات السياحية.
ورغم ذلك، تؤكد شركات السفر والفنادق عدم تسجيل إلغاءات كبيرة حتى الآن، مع استمرار تدفق السياح من أوروبا وأمريكا، واستقرار الحجوزات في قطاعات الرحلات البحرية والفنادق الفاخرة.
جزر اليونان بين الهدوء والانتظار
في جزر مثل ميكونوس، تبدو بداية الموسم أكثر هدوءاً مقارنة بالسنوات السابقة، إلا أن العاملين في القطاع يراهنون على انتعاش الحركة السياحية مع بداية يونيو، وهو ما يُعد تقليدياً نقطة انطلاق الموسم الفعلي.
كما يعوّل القطاع على السياحة الفاخرة والترويج الإعلامي العالمي، بما في ذلك ظهور بعض المواقع اليونانية في إنتاجات سينمائية ومسلسلات دولية، ما يعزز من جاذبية البلاد لدى الأسواق الأمريكية والشرق أوسطية.
الحكومة تراهن على «السياحة المستدامة»
في المقابل، تسعى الحكومة اليونانية إلى إعادة توجيه القطاع نحو مفهوم «السياحة المستدامة»، بدلاً من التركيز فقط على أرقام النمو. وأكدت وزارة السياحة أن الهدف لم يعد زيادة أعداد الزوار فقط، بل تحقيق قيمة اقتصادية طويلة الأمد تعود بالنفع على المجتمعات المحلية والعمال والشركات.
تحديات هيكلية وسؤال «السياحة المفرطة»
ورغم الأرقام القياسية، يواجه القطاع تحديات متزايدة، أبرزها ضغط الإيجارات قصيرة الأمد في الجزر السياحية، وتفاقم ظاهرة الاكتظاظ في مناطق مثل سانتوريني وميكونوس، مقابل تراجع الاستفادة في مناطق أخرى أقل شهرة.
كما يثير ارتفاع التكاليف التشغيلية والطاقة ضغوطاً إضافية على الشركات الصغيرة، في وقت تتجه فيه اليونان نحو رفع جودة الخدمات السياحية لجذب شرائح أكثر إنفاقاً.
جاذبية ثابتة رغم التحديات
ورغم كل هذه التحديات، لا تزال اليونان تحتفظ بمكانتها كوجهة سياحية مفضلة عالمياً، بفضل مزيج من التراث التاريخي، والطبيعة المتوسطية، والشعور النسبي بالأمان مقارنة ببعض دول المنطقة، ما يجعلها حتى الآن «ملاذاً سياحياً» مستقراً في سوق عالمي شديد التنافس والتقلب.