سكان غرينلاند ينددون بالحكم الدنماركي بعد عقود من «التعقيم القسري»
في جزيرة غرينلاند، الخاضعة للحكم الدنماركي، تتصاعد مشاعر الغضب والمرارة بين السكان الأصليين من الإنويت، على خلفية تاريخ طويل من السياسات التي يعتبرونها قمعية واستعمارية.
شملت الإجراءات القمعية التي يشكو منها السكان الأصليون للجزيرة التعقيم القسري، ونزع الأطفال من عائلاتهم، وتدهور الأوضاع المعيشية، في إرث إنساني لا تزال آثاره حاضرة حتى اليوم.
تجسّد قصة أماروك بيترسن جانبًا مؤلمًا من هذا الإرث. فقد كانت في السابعة والعشرين من عمرها عندما اكتشفت السبب الحقيقي لعقمها، بعد معاناة طويلة مع مشكلات صحية حادة.
وبحسب صحيفة نيويورك بوست، علمت بيترسن أثناء فحص طبي، تبيّن وجود وسيلة لمنع الحمل زرعت في رحمها دون علمها عندما كانت في الثالثة عشرة من عمرها، ضمن برنامج دنماركي للتحكم في النمو السكاني شمل آلاف الفتيات والنساء من سكان غرينلاند الأصليين.
تقول بيترسن، ودموع الغضب والحزن تملأ عينيها: «لن أنجب أطفالًا أبدًا. لقد سُلب مني هذا الخيار».
وعلى الرغم من تقديم الحكومة الدنماركية اعتذارًا رسميًا العام الماضي عن عقود من التعقيم القسري، فإن كثيرين في غرينلاند يرون أن الاعتذار جاء متأخرًا، وأن آثاره العملية محدودة. فقد أعلنت كوبنهاغن عن تعويضات مالية تُقدّر بنحو 46 ألف دولار لكل ضحية، إلا أن بيترسن وصفت هذه الخطوة بأنها «إهانة جديدة»، مؤكدة أن المال لا يمكن أن يعوّض ما فُقد من أجساد وأحلام وأجيال.
ولا تتوقف الانتهاكات، بحسب السكان، عند التعقيم القسري. فقد شهدت عائلات كثيرة ما يُعرف بـ«تجربة الدنماركيين الصغار»، حيث أُرسل أطفال من غرينلاند قسرًا إلى الدنمارك للتبني أو الإقامة في مؤسسات رعاية، بين خمسينيات وسبعينيات القرن الماضي، في إطار سياسة دمج قسري، غالبًا دون موافقة الأهالي.
وتقول بيترسن إن أحد أقاربها كان من بين هؤلاء الأطفال، فيما خضع آخرون من عائلتها لتجارب طبية.
ويتزامن هذا الغضب التاريخي مع تصاعد التوتر السياسي حول مستقبل الجزيرة، في ظل تجدد الاهتمام الأمريكي بها.
ففي حين تستضيف الدنمارك مناورات عسكرية أوروبية وتؤكد أنها تحمي غرينلاند من أطماع خارجية، يرى كثير من السكان أن الدنمارك نفسها تمثل التهديد الأكبر. وتقول بيترسن: «الدنمارك لا تنظر إلينا كبشر متساوين. يأخذون أرضنا وأطفالنا وأرواحنا، ثم يتوقعون الشكر».
ويشعر الغرينلانديون بأن شعار «غرينلاند ليست للبيع» يخفي حقيقة أكثر إيلامًا، وهي أن القرار النهائي لا يزال بيد كوبنهاغن. وقد برز هذا الخلل مؤخرًا في واشنطن، حين هيمن وزير الخارجية الدنماركي على مؤتمر صحفي حول الجزيرة، بينما جرى تهميش وزير خارجية غرينلاند. بالنسبة لبيترسن، كان المشهد «استعماريًا بامتياز».
ويمتد هذا الإحساس بالتهميش إلى الحياة اليومية، حيث تعاني مناطق كثيرة من سوء السكن وارتفاع التكاليف وضعف الأجور. وتقول كارين هاميكن جنسن، المقيمة في نوك، إن المباني الحكومية قديمة ومهترئة وتعاني من العفن، فيما يلتهم الإيجار معظم الدخل، مضيفة أن الدعم الدنماركي «يُبقي الناس عالقين في دائرة الفقر».
أما في قطاع صيد الأسماك، العمود الفقري لاقتصاد غرينلاند، فيؤكد الصيادون أن القيمة الحقيقية تذهب إلى الشركات الدنماركية، بينما يحصل السكان المحليون على الفتات. ويقول الصياد إلياس لونغ: «نحن من نصطاد، لكن الأرباح تغادر البلاد».
وخلف هذه الوقائع، تبرز كلفة بشرية باهظة، تتجلى في ارتفاع معدلات الإدمان والانتحار، حيث تُسجّل غرينلاند من أعلى النسب عالميًا. ويربط كثيرون هذه الظواهر بتاريخ من الصدمات والاستغلال. وتختم بيترسن بقولها: «لقد أخذوا مواردنا وأجسادنا ومستقبلنا، ثم طلبوا منا الصمت. نحن لا نطلب الكثير، فقط أن نُعامل كبشر، وأن نقرر مصيرنا بأنفسنا».
aXA6IDIxNi43My4yMTYuNTYg جزيرة ام اند امز