قبة حرارية عملاقة تخنق آسيا الوسطى.. والحرارة الخمسينية تضرب لأول مرة
تشهد آسيا الوسطى خلال الأيام المقبلة موجة حر استثنائية قد تُسجل ضمن أشد الظواهر المناخية تطرفا في تاريخ المنطقة الحديث.
وأظهرت أحدث النماذج العددية اندفاع كتلة هوائية فائقة السخونة نحو أوزبكستان وكازاخستان وتركمانستان، مع توقعات بارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات تلامس 50 درجة مئوية في بعض المناطق الصحراوية والداخلية.

ويحذر خبراء المناخ من أن هذه القيم لا تمثل مجرد ارتفاع موسمي عابر في درجات الحرارة، بل تعكس نمطا متزايدا من الظواهر الحرارية المتطرفة التي أصبحت أكثر تكرارا وشدة خلال العقود الأخيرة نتيجة التغير المناخي العالمي.
وتشير الخرائط الجوية إلى تمركز مرتفع جوي قوي فوق المنطقة، مصحوبا بما يعرف بـ"القبة الحرارية"، وهي ظاهرة تعمل كغطاء ضخم يحبس الهواء الساخن بالقرب من سطح الأرض ويمنع صعوده إلى الطبقات العليا من الغلاف الجوي. ومع استمرار صفاء السماء وزيادة الإشعاع الشمسي، تتراكم الحرارة يوما بعد آخر لتصل إلى مستويات قياسية.
ما هي ظاهرة القبة الحرارية؟
ويشرح د. مجدي علام، أمين عام اتحاد خبراء البيئة العرب لـ"العين الإخبارية"، ظاهرة القباب الحرارية، أن هذه الأنظمة الجوية تعمل بطريقة تشبه "غطاء القدر"، إذ تحتجز الهواء الساخن لفترات طويلة وتمنع تشكل السحب والتيارات الهوائية التي يمكن أن تخفف من شدة الحرارة. وقد أصبحت هذه الظاهرة مسؤولة عن العديد من موجات الحر القياسية التي شهدتها أمريكا الشمالية وأوروبا وآسيا خلال السنوات الأخيرة.
وتتوافق هذه التوقعات مع نتائج دراسة نُشرت في دورية "نيتشر كلايمت تشانغ"، أظهرت أن تغير المناخ الناجم عن النشاط البشري ضاعف احتمالات حدوث موجات الحر الشديدة في مناطق واسعة من العالم، وجعل درجات الحرارة القصوى أكثر تطرفًا مقارنة بما كانت عليه قبل الثورة الصناعية.
كما كشفت دراسة أخرى أجراها باحثون من مبادرة "الإسناد العالمي للطقس"، أن موجات الحر القياسية التي ضربت أوروبا والصين وأمريكا الشمالية في الأعوام الأخيرة أصبحت أكثر احتمالًا بعشرات المرات بسبب الاحترار العالمي، وهو ما يشير إلى أن الظواهر المشابهة في آسيا الوسطى لم تعد أحداثًا نادرة بالمعنى المناخي التقليدي.
ما هو السبب في ظاهرة القبة الحرارية؟
ويرى علام، أن ارتفاع متوسط حرارة الأرض بمقدار يزيد قليلا على 1.2 درجة مئوية فقط منذ أواخر القرن التاسع عشر كان كافيا لدفع موجات الحر إلى مستويات غير مسبوقة، موضحا أن كل جزء من الدرجة المئوية الإضافية يزيد احتمالات تسجيل أرقام قياسية جديدة.
وتحظى آسيا الوسطى بحساسية خاصة تجاه موجات الحر بسبب طبيعتها القارية الجافة وبعدها عن التأثيرات البحرية الملطفة.
وتشير أبحاث منشورة في دورية "إنفايرونمينتل ريسيرتش ليترز"، إلى أن المناطق الداخلية في كازاخستان وأوزبكستان وتركمانستان تُعد من بين أسرع مناطق أوراسيا ارتفاعًا في درجات الحرارة، حيث تتفاعل موجات الجفاف مع الحرارة المرتفعة لتضخيم التأثيرات المتبادلة بينهما.

ويحذر خبراء الصحة العامة من أن تجاوز درجات الحرارة حاجز 45 درجة مئوية لفترات طويلة يزيد بشكل حاد من مخاطر الإجهاد الحراري وضربات الشمس وأمراض القلب والجهاز التنفسي، خصوصًا بين كبار السن والأطفال والعاملين في الأماكن المفتوحة. كما قد تؤثر الحرارة الشديدة على البنية التحتية وشبكات الكهرباء والمحاصيل الزراعية ومصادر المياه.
عالم يزداد سخونة من عام لآخر
ويقول علام، إن العالم يشهد انتقالًا تدريجيا من مناخ كانت فيه موجات الحر القياسية أحداثا استثنائية إلى مناخ أصبحت فيه هذه الظواهر أكثر شيوعًا، مضيفًا أن الأرقام التي كانت تُعتبر شبه مستحيلة قبل عقود أصبحت اليوم تظهر بانتظام في سجلات الرصد الجوي.
ومع اقتراب الحرارة من عتبة 50 درجة مئوية في أجزاء من آسيا الوسطى، يراقب علماء المناخ هذه الموجة عن كثب باعتبارها اختبارًا جديدًا لقدرة المجتمعات والبنية التحتية على التكيف مع عالم يزداد سخونة عامًا بعد عام، وسط توقعات بأن تصبح موجات الحر الشديدة أحد أبرز ملامح المناخ خلال العقود المقبلة.