«الجزر الحرارية».. سر تحول المدن إلى «أفران للبشر» رغم برودة محيطها الريفي
بينما تنعم المناطق الريفية بنسمات ليلية تبدد حرارة الصيف، تعيش المدن الكبرى سيناريو مغايرًا، حيث تتحول الشوارع والمباني إلى ما يشبه "الأفران البشرية" التي تحبس القيظ ولا تطلقه حتى بعد غياب الشمس. ويعود هذا التباين إلى ظاهرة تُعرف باسم «الجزر الحرارية».
تستوجب تلك الظاهرة دعم المدن بصورة خاصة وتعزيز الاستدامة فيها، كما أنّ هناك توجهات عالمية لدعم المدن المستدامة الصديقة للبيئة، والتي تُدعم حياة أفضل للسكان؛ تزامنًا مع الارتفاع العالمي في متوسط درجات الحرارة؛ نتيجة تسارع التغير المناخي وتفاقم الاحتباس الحراري.
ظاهرة الجزر الحرارية الحضرية
تعني تلك الظاهرة، الارتفاع الملحوظ في درجات الحرارة في المدينة مقارنة بالمناطق الريفية المحيطة بها. ويعود ذلك بصورة أساسية إلى امتصاص مواد البناء الإسفلتية والخرسانية للإشعاع الشمسي بالنهار ثم تُطلقها ببطء في الليل، وقلة المساحات الخضراء، ما يُقلل من التبريد الطبيعي الناتج عن الظل وتبخر المياه من النباتات في عملية النتح.
وذلك إضافة إلى ارتفاع درجات الحرارة المنبعثة من الأنشطة البشرية مثل السيارات والمصانع وأجهزة التكييف واستهلاك الكهرباء بصورة عامة.
ولا يمكن غض الطرف أيضًا عن زيادة الكثافة السكانية التي تُعيق حركة الهواء، وكذلك تلوث الهواء. كل تلك العوامل تتسبب في ارتفاع متوسط درجات الحرارة في المدن مقارنة بالمناطق الريفية المحيطة.
وتؤكد ذلك شويتا نارايان، قائدة الحملات في التحالف العالمي للمناخ والصحة، في تصريحات لـ"العين الإخبارية": "تحتفظ المدن بالحرارة بسبب الخرسانة والإسفلت وحركة المرور والمباني الكثيفة ومحدودية المساحات الخضراء، مما يخلق ظاهرة "الجزر الحرارية الحضرية"، ويُشير برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى أنّ ذلك قد يتسبب في رفع درجات حرارة المدن من 5 إلى 10 درجات مئوية فوق درجات حرارة المناطق الريفية المجاورة".
وتُضيف نارايان، قائلة إنّ "هذا الأمر يُعد خطيرًا للغاية؛ لأن المدن تُركز السكان والتلوث والفقر والمساكن سيئة التهوية، ويعيش العديد من السكان في ظروف مكتظة، ويعملون في وظائف تُعرضهم للحرارة، أو يفتقرون إلى وسائل التبريد".
إرهاق الخدمات الصحية
تتسبب الحرارة المرتفعة في إرهاق القطاع الصحي؛ نتيجة زيادة المشكلات الصحية المرتبطة بموجات الحرارة، ما يزيد الضغط على الخدمات الطبية، حيث تزداد حالات الإجهاد وضربات الشمس، وتتفاقم أمراض القلب والجهاز التنفسي، وتتعرض الفئات الضعيفة مثل كبار السن والأطفال وأصحاب الأمراض المزمنة بشكل خاص لخطر متزايد مع موجات الحر الشديدة.
وتُعلق نارايان: "تُفاقم الحرارة تلوث الهواء وتُرهق الخدمات الصحية". وتتابع موضحة: "لذا، تُعتبر الحرارة الحضرية قضية مناخية وقضية عدالة صحية في آنٍ واحد، إذ غالبًا ما يكون الأشخاص الأقل مسؤولية عن هذه الأزمة هم الأكثر عرضةً لها والأقل حمايةً منها".
المدن المستدامة؟
تشغل المدن المستدامة اهتمامًا واسعًا؛ باعتبارها أحد الطرائق الفعّالة للحد من ظاهرة الاحتباس الحراري؛ فهي تدعم مبادئ التنمية المستدامة وتحفظ التوازن بين التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، وفي نفس الوقت تقوم على أساس حماية البيئة والحفاظ على مواردها من الإهدار، بحيث توفر احتياجات السكان.
تعتمد المدن المستدامة على وسائل النقل المستدامة الصديقة للبيئة، كما تُطبق أنظمة ذكية لإدارة استهلاك الطاقة والمياه، وتعتمد على مصادر الطاقة المتجددة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح. وتتمتع أيضًا المدن المستدامة بتقنيات إدارة النفايات لتحويل بعض النفايات إلى طاقة ومواد قابلة للاستخدام. من جانب آخر، تتميز المدن المستدامة بالحدائق والأشجار الخضراء التي تُحسن جودة الهواء وتقلل تأثيرات الجزر الحرارية الحضرية.
وأخيرًا، تساعد المدن المستدامة على مواجهة ظاهرة الجزر الحرارية الحضرية، وتحقيق التكيّف مع التغيرات المناخية. وفي نفس الوقت؛ فهي تسهم في الحد من الانبعاثات الدفيئة، بالتالي تعزز استراتيجيات التخفيف.