المناخ يتربص بالسياحة.. القطاع الأكثر تعرضاً للخسائر
حقق قطاع السفر والسياحة العالمي أفضل أداء في تاريخه، حيث بلغت مساهمته في الاقتصاد العالمي 11.6 تريليون دولار بنهاية عام 2025، ليصبح أسرع القطاعات الاقتصادية نمواً على مستوى العالم.
لكن هذا الإنجاز التاريخي يصاحبه تحذير متزايد من أن تغير المناخ والظواهر الجوية المتطرفة قد يهددان مستقبل الصناعة، ويؤديان إلى تراجع كبير في مساهمتها الاقتصادية خلال العقود المقبلة إذا لم تُتخذ إجراءات جادة لمعالجة المخاطر البيئية. وكان المجلس العالمي للسفر والسياحة (WTTC) قد أعلن في أبريل/نيسان الماضي أن قطاعي السفر والسياحة سجلا أفضل عام على الإطلاق، بعدما ساهما بنسبة 9.8% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، محققين نمواً سنوياً بلغ 4.1%، وهو معدل يفوق نمو الاقتصاد العالمي بصورة ملحوظة.
تحدي المناخ
كما أشار المنتدى الاقتصادي العالمي في دراسة سابقة إلى أن ارتفاع درجات الحرارة والظواهر المرتبطة بموجات الحر أصبح يدفع كثيراً من المسافرين إلى إعادة النظر في خططهم السياحية، خصوصاً بعد موجات الحر القياسية التي ضربت فرنسا وإيطاليا، وحرائق الغابات التي اجتاحت اليونان وعدداً من الولايات الأمريكية والكندية.
خسائر الاقتصاد العالمي
وفي تقرير صادر عام 2025، أوضح LGT Private Banking أن صناعة السياحة تعد من أكثر القطاعات هشاشة أمام التحديات البيئية. وأشار التقرير إلى أن تغير المناخ أدى إلى تقليص مواسم التزلج في الولايات المتحدة نتيجة انخفاض معدلات تساقط الثلوج، وهو ما قد يتسبب في خسائر اقتصادية تتجاوز مليار دولار سنوياً.
كما لفت التقرير إلى أن دول البحر الكاريبي، التي تمثل السياحة فيها ما يصل إلى 90% من الناتج المحلي الإجمالي وفق بيانات صندوق النقد الدولي، تواجه مخاطر كبيرة بسبب الأعاصير والكوارث الطبيعية المتكررة.
وأظهرت أبحاث صندوق النقد الدولي أيضاً أن كل زيادة بنسبة 10% في درجة تعرض دولة لمخاطر تغير المناخ ترتبط بانخفاض مماثل يبلغ نحو 10 نقاط مئوية في إيرادات السياحة كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يعكس التأثير المباشر للمناخ على أداء القطاع.
مساهم رئيسي
لكن السياحة ليست مجرد ضحية لتغير المناخ، بل تعد أيضاً أحد المساهمين الرئيسيين فيه.
بحسب التقديرات، تسهم حركة السفر، خاصة عبر الطيران والسفن السياحية ووسائل النقل المختلفة، في إنتاج نحو 8% من إجمالي انبعاثات الغازات الدفيئة العالمية. وتحذر منظمة الأمم المتحدة للسياحة من أنه إذا استمر تعافي القطاع بعد جائحة كورونا بالاعتماد على وسائل السفر مرتفعة الانبعاثات، فقد يستهلك ما يصل إلى 40% من الميزانية الكربونية العالمية المتبقية اللازمة للحفاظ على ارتفاع حرارة الأرض عند مستوى لا يتجاوز 1.5 درجة مئوية.
ويرى الخبراء أن استمرار هذا المسار قد يؤدي إلى تدمير الموارد الطبيعية التي تعتمد عليها السياحة نفسها في تحقيق الإيرادات، بما في ذلك الشواطئ والشعاب المرجانية والمنتجعات الجبلية والمحميات الطبيعية.
ورغم هذه الأرقام القياسية، يحذر خبراء المناخ والاقتصاد من أن المكاسب الحالية قد تتراجع بما يصل إلى ثلث إجمالي مساهمة القطاع بحلول عام 2050، نتيجة التأثيرات المتزايدة للاحتباس الحراري وارتفاع درجات الحرارة وتفاقم الظواهر المناخية القاسية. وخلال السنوات الأخيرة، أصبحت موجات الحر والعواصف والفيضانات والجفاف تؤثر بشكل مباشر في حركة السياحة العالمية، حيث شهدت العديد من الوجهات انخفاضاً في أعداد الزوار بسبب الظروف الجوية غير المعتادة، فيما يتوقع العلماء أن تزداد هذه الظواهر حدة مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة عالمياً.
وتشير الدراسات إلى أن العالم يتجه نحو صيف أطول وشتاء أقصر، مع تزايد قوة الأعاصير والعواصف وامتداد فترات الجفاف وهو ما يفرض تحديات كبيرة أمام شركات الطيران والفنادق ومنظمي الرحلات والوجهات السياحية. وكانت جامعة كامبريدج قد حذرت في دراسة نشرت عام 2024 من أن ارتفاع مستوى سطح البحر وتكرار الظواهر الجوية المتطرفة وازدياد حموضة المحيطات بدأت بالفعل تؤثر سلباً في السياحة البحرية.
وتكشف دراسة منشورة عبر قاعدة الأبحاث العالمية EBSCO أن الاقتصاد العالمي قد يواجه بحلول عام 2050 خسائر سنوية تتراوح بين 1.7 و3.1 تريليون دولار نتيجة الأضرار المرتبطة بتغير المناخ. ويؤكد الخبراء أن قطاع السياحة سيكون من أكثر القطاعات تعرضاً لهذه الخسائر، نظراً لاعتماده المباشر على البنية التحتية والموارد الطبيعية والشواطئ والجبال والغابات والمناخ المستقر.