أمريكا داخل فرن عملاق.. القبة الحرارية تكشف الثمن الحقيقي لتغير المناخ (خاص)
أصبحت موجات الحر الشديدة في الصيف بأمريكا تطبيقا عمليا لدور تغير المناخ في تحويل الظواهر الجوية الطبيعية إلى أحداث استثنائية.
فبينما تستعد أمريكا للاحتفال بالذكرى الـ250 للاستقلال، تضرب شرق البلاد واحدة من أقوى موجات الحر، وسط تأكيدات علمية بأن شدة "القبة الحرارية" التي تسببت فيها، هي من نتاج تغير المناخ.

ويشرح د. مجدي علام، أمين عام اتحاد خبراء البيئة العرب، لـ"العين الإخبارية"، مفهوم "القبة الحرارية"، قائلاً إنها "منطقة واسعة من الضغط الجوي المرتفع تعمل كغطاء يحبس الهواء الساخن فوق سطح الأرض. ومع استمرار الضغط المرتفع لأيام، يتعرض الهواء المحبوس للانضغاط، فيزداد سخونة، بينما تمنع القبة تشكل السحب وسقوط الأمطار، فتستمر أشعة الشمس في تسخين الأرض يوما بعد يوم، لتتراكم الحرارة تدريجيا وتصل إلى مستويات قياسية".
ويوضح علام أن هذه الظاهرة ليست جديدة، لكنها أصبحت أكثر خطورة في العقود الأخيرة بسبب ارتفاع متوسط درجة حرارة الأرض الناتج عن انبعاثات الغازات الدفيئة. فكلما ارتفعت حرارة الكوكب، أصبحت القباب الحرارية أكثر قدرة على إنتاج درجات حرارة قياسية، كما تزداد مدة بقائها فوق المنطقة نفسها.
ويدعم ما ذهب إليه علام بخصوص تأثير تغيرات المناخ، ما ذهبت إليه دراسة سريعة أجرتها شبكة "شبكة الإسناد العالمي للطقس" ، وهي تجمع دولي من علماء المناخ متخصص في تحليل الأحداث الجوية المتطرفة، والتي خلصت إلى أن مستويات الحرارة والرطوبة التي شهدها شرق الولايات المتحدة هذا الأسبوع كانت "شبه مستحيلة" في عالم لا يشهد تغيرا مناخيا ناجما عن حرق الوقود الأحفوري. وأوضحت الدراسة أن تغير المناخ لم يتسبب في ظهور القبة الحرارية، لكنه جعلها أكثر سخونة واتساعا وأطول عمرا.
وتقول فريدريكه أوتو، أستاذة علوم المناخ في إمبريال كوليدج لندن وأحد مؤسسي الشبكة، في تصريحات صحفية، إن ما يحدث "ليس حدثا استثنائيا منفصلا، بل جزء من اتجاه عالمي أصبحت فيه موجات الحر أكثر تكرارًا وشدة بسبب تغير المناخ". وأضافت أن تأثير هذه الظواهر لم يعد يقتصر على الإحصاءات المناخية، بل بات يطول تفاصيل الحياة اليومية، من الفعاليات الرياضية إلى الاحتفالات الوطنية.

ولا تقتصر آثار القبة الحرارية على ارتفاع درجات الحرارة، بل تؤدي أيضا إلى ارتفاع الرطوبة، ما يرفع "مؤشر الحرارة"، أي درجة الحرارة التي يشعر بها جسم الإنسان فعليًا. ففي العديد من المدن الأمريكية تجاوز مؤشر الحرارة 43 درجة مئوية، وهو مستوى يزيد بشكل كبير من احتمالات الإصابة بالإجهاد الحراري وضربات الشمس، خاصة لدى كبار السن والعاملين في الهواء الطلق.
كما أسهمت الحرارة الشديدة في زيادة استهلاك الكهرباء لتشغيل أجهزة التكييف، ما وضع شبكات الطاقة تحت ضغط غير مسبوق، بينما أدى الهواء الساخن والجاف إلى تدهور جودة الهواء، وهو وضع يتوقع الخبراء أن يزداد سوءا مع انطلاق عروض الألعاب النارية، التي تضيف كميات كبيرة من الجسيمات الدقيقة إلى الغلاف الجوي.
ورغم أن القباب الحرارية كثيرا ما ترتبط بالاستقرار الجوي، فإنها قد تخلق في أطرافها ظروفًا مثالية لنشوء عواصف رعدية عنيفة عندما تندفع كتل هوائية أبرد، وهو ما دفع هيئة الأرصاد الأمريكية إلى التحذير من احتمال هبوب رياح مدمرة وصواعق في أجزاء من شمال شرق البلاد خلال عطلة الاستقلال.

وفي ظل هذه الظروف، تحولت الاحتفالات بالذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة إلى اختبار لقدرة المدن على التعامل مع الطقس المتطرف. فقد ألغت السلطات العرض التقليدي للرابع من يوليو في العاصمة واشنطن بسبب الحرارة، وتأخر افتتاح معرض" غريت أمريكان ستيت فير" ، فيما شهدت نيويورك انقطاعات للكهرباء نتيجة الضغط الكبير على الشبكة، كما سجلت السلطات وفاة رجل في ولاية بنسلفانيا إثر إصابته بإجهاد حراري أثناء العمل في الهواء الطلق، بينما أفادت مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها بارتفاع معدلات الأمراض المرتبطة بالحرارة في شمال شرق البلاد.
ويرى علام أن ما تشهده الولايات المتحدة هذا الصيف يمثل نموذجًا لما قد تصبح عليه موجات الحر مستقبلًا إذا استمرت انبعاثات الغازات الدفيئة بالوتيرة الحالية، حيث لن تكون درجات الحرارة القياسية حدثا نادرا، بل واقعا يتكرر بوتيرة متزايدة، مع تأثيرات تمتد من الصحة العامة والبنية التحتية إلى الاقتصاد والأنشطة الاجتماعية، بما في ذلك الاحتفالات الوطنية الكبرى.