حزب الله و«المعركة الأخيرة».. انتحار من أجل البقاء
قبل 15 شهرا، خرج حزب الله منهكا من حرب مع إسرائيل ثم حاول لملمة جراحه، قبل أن يخوض معركة «وجود» يرجح مراقبون أن تكون الأخيرة.
وردا على مقتل مرشد إيران علي خامنئي، جرّ الحزب الذي تمده طهران بالمال والسلاح منذ تأسيسه، لبنان إلى أتون حرب جديدة بدأها في الثاني من مارس/ آذار الجاري بإطلاق صواريخ على إسرائيل.
وتردّ الأخيرة بغارات واسعة النطاق وتوغل بري وإنذارات إخلاء هجّرت مئات الآلاف.
وفي خطاب ألقاه الجمعة، أكد الأمين العام للحزب نعيم قاسم جاهزية حزب الله "لمواجهة طويلة" مع إسرائيل، مؤكدا أنه يخوض "معركة وجودية" ولن يسمح لها بتحقيق أهدافها بـ"إلغائه".
ويقول مصدر من حزب الله لوكالة فرانس برس، من دون الإفصاح عن هويته: "دخل الحزب الحرب بكل ما يملك. فإما أن ينتهي، وإما أن يكرّس معادلة جديدة تقضي بانسحاب إسرائيل بالكامل من لبنان ووقف اعتداءاتها".
ويوضح "اتخذ الحزب قرار خوض الحرب منذ أشهر، وكان ينتظر متغيرا إقليميا وجده في الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، لأنه يعلم جيدا أنه بغضّ النظر عن نتيجة تلك الحرب، فإن دوره سيحين ولن تتردد إسرائيل في شن حملة واسعة ضده".
ومنذ نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، التزم حزب الله بوقف إطلاق نار مع إسرائيل، بعد حرب دامية بينهما استمرت لأكثر من عام، لكن إسرائيل واصلت شنّ ضربات خلال الأشهر الماضية أوقعت نحو 500 قتيل، عدد كبير منهم من عناصره.
ويقول المصدر "استوعب الحزب الصدمات بعد الحرب السابقة، عضّ على جراحه، سدّ الثغرات وأعاد تنظيم صفوفه، وهو يخوض اليوم المعركة التي أعد لها ويقول إنه قادر على الصمود" في وجه إسرائيل.
"المعركة الأخيرة"
على لسان قادته، نفى الحزب أن يكون توقيت معركته مرتبطا بالحرب على إيران، إنما بـ"نفاد صبره" جراء الضربات الإسرائيلية بعد وقف إطلاق النار.
لكن هذا النفي لم يقنع المسؤولين ولا شريحة واسعة من اللبنانيين تعرب اليوم عن غضب متنام من الحزب لجره البلاد إلى حرب جديدة.
ويقول الخبير العسكري حسن جوني لوكالة فرانس برس "بالنسبة لحزب الله هذه معركة وجودية، لأن المطلوب رأسه بالكامل، وهو سيقاتل بالتالي حتى الرمق الأخير".
ويضيف "بالنسبة لإسرائيل، هي المعركة الأخيرة مع حزب الله" في ظل توفر ظروف "قد لا تتكرر"، وتعتبرها "ملائمة لإنهاء حالة حزب الله العسكرية والقضاء عليه".
ويعدّد من بينها طبيعة العلاقة الحالية بين الحزب والدولة اللبنانية، والظروف الإقليمية والدولية المواتية في ظل "إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب"، عدا عن وضع داعمته إيران "الضعيف جدا" في الحرب.
قبل نصف ساعة
بعد ساعات من إطلاق حزب الله الصواريخ باتجاه إسرائيل، سارعت الحكومة اللبنانية إلى حظر أنشطة الحزب العسكرية والأمنية، عقب قرارها قبل أشهر تجريده من سلاحه وبدء الجيش تنفيذ خطة لحصر السلاح بيد الدولة.
واتهم الرئيس اللبناني جوزيف عون الحزب بالعمل على "سقوط دولة لبنان.. من أجل حسابات النظام الإيراني".
وحتى وقت متأخر من ليل الأول من الشهر الجاري، لم يكن أي مسؤول لبناني على دراية بقرار الحزب.
وقبل نصف ساعة من إطلاق أول الصواريخ، أرسل الحزب وفدا إلى حليفه الشيعي رئيس البرلمان نبيه بري وأبلغه القرار، وفق ما يؤكد مصدر مطلع على مضمون اللقاء لفرانس برس.
وقالت إسرائيل على لسان المتحدث باسمها نداف شوشاني الأسبوع الماضي "أمضى حزب الله عقودا في تكديس السلاح، وعلى الرغم من أننا قلّصنا قدراته بشكل كبير خلال العامين والنصف الماضيين، إلا أنه ما زال يمتلك كميات كبيرة من الأسلحة التي تعرّض المدنيين الإسرائيليين للخطر".
"خدمة" إيران
لكن كلفة الحرب التي شرّدت أكثر من 800 ألف شخص خصوصا من ضاحية بيروت الجنوبية وجنوب البلاد، فادحة.
ويصرّ حزب الله على استكمالها "أيا تكن الأثمان". وتبدو الدولة اللبنانية التي لم يلق عرضها التفاوض المباشر على إسرائيل أي رد، مكبّلة اليدين.
وتواصل اسرائيل الوعيد والتهديد بتدخل بري وتدمير بنى تحتية مدنية ما لم تبادر السلطات إلى نزع سلاح الحزب ووقف هجماته.
أما إيران فلم يتردد المرشد الجديد مجتبى خامنئي في بيانه الأول بعد انتخابه، في شكر المجموعات المسلحة الموالية لطهران في أنحاء المنطقة، وخصوصا في لبنان والعراق واليمن.
ويقول الأستاذ الجامعي والمحامي علي مراد لفرانس برس "من الواضح أن أولوية الحزب كانت فتح جبهة لبنان خدمة للأجندة الإيرانية، بعدما لم يقدم طيلة 15 شهرا على التحرك رغم تلقيه الضربات".
ورغم كل الجهود الرسمية والضغوط الدولية لمحاصرته، أعاد الحزب ربط ملف لبنان بالكامل مع إيران، من هنا، فإن المعركة التي يخوضها، وفق مراد، "معركة وجود على جبهتين: جبهة لبنان وجبهة حليفته السياسية والعقائدية والاستراتيجية".
وبخلاف حروب أخرى، يواجه حزب الله هذه المرة مأزقا حقيقيا مع بيئته الحاضنة التي تستهدفها إسرائيل واعتاد أن يخاطبها طيلة عقود بلغة المنتصر، بعدما أفشل أهداف حروب سابقة خاضتها للقضاء عليه، سواء حرب يوليو/ تموز 2006 أو الحرب السابقة.
ويوضح مراد "انتهى حزب الله كقوة إقليمية وكسلاح استراتيجي"، مضيفا "هذه الحرب لن تنتهي بربح".