اعتداءات إيران و«حقوق الإنسان».. الإمارات ترسم معادلة الأمن والاستقرار
مستلهمة تجربتها الرائدة، في مواجهة هجمات إيران وإحالة التحديات الناتجة عنها إلى إنجازات، رسمت الإمارات معادلة لتحقيق الأمن والاستقرار.
جاء ذلك في كلمة ألقاها السفير جمال المشرخ مندوب دولة الإمارات لدى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة خلال جلسة للمجلس في دورته الـ62 الإثنين، تم خلالها بحث تداعيات الهجمات الإيرانية على دول الخليج والأردن.
وعقد الاجتماع بالتزامن مع الإعلان عن التوصل إلى اتفاق سلام بين الولايات المتحدة وإيران يضع حداً للحرب التي اندلعت في 28 فبراير/شباط الماضي.
الإمارات واتفاق السلام
وأعربت الإمارات في كلمتها بمجلس حقوق الإنسان عن أملها في أن تسهم "المفاوضات الجارية في وقف فوري للأعمال العدائية".
وشددت على ضرورة أن يتم "الالتزام بجميع بنود أي اتفاق يتم التوصل إليه".
الالتزام بالبنود التي يتم الاتفاق عليها، شرط هام في معادلة تحقيق الاستقرار والسلام في المنطقة، بحسب الرؤية الإماراتية الداعمة لإنهاء الأزمة دبلوماسيا.
وكان لدبلوماسية الإمارات الحكيمة دور بارز في دعم التوصل للاتفاق.
ورغم ما تعرضت له دولة الإمارات وبلدان الخليج والمنطقة بشكل عام من اعتداءات إيرانية خلال تلك الحرب، إلا أنها لطالما أعلنت دعمها للحلول الدبلوماسية والسلمية لحل الأزمة قبيل وخلال اندلاعها، وصولا للإعلان عن التوصل لاتفاق.
ولطالما دعمت دولة الإمارات خيار التفاوض بين إيران وأمريكا حتى قبيل اندلاع الحرب في 28 فبراير/شباط الماضي.
وعند التلويح بخيار التصعيد، أكدت وزارة الخارجية الإماراتية عبر بيان واضح أصدرته في 26 يناير/كانون الثاني الماضي، أن دولة الإمارات تلتزم بعدم السماح باستخدام أجوائها أو أراضيها أو مياهها في أي أعمال عسكرية عدائية ضد إيران، وعدم تقديم أي دعم لوجستي في هذا الشأن.
وحينها، جددت التأكيد على إيمان دولة الإمارات بأن تعزيز الحوار، وخفض التصعيد، والالتزام بالقوانين الدولية، واحترام سيادة الدول، تمثل الأسس المثلى لمعالجة الأزمات الراهنة، مشددة على نهجها القائم على ضرورة حل الخلافات عبر الوسائل الدبلوماسية.
رسائل ومواقف إماراتية قبل الهجوم تثبت من خلالها الإمارات عملها الدؤوب لتفادي وقوع أي حرب في المنطقة، حرصا على أمنها واستقرارها، ورفضها لاستخدام أجوائها أو أراضيها أو مياهها في أي أعمال عسكرية عدائية ضد إيران، حال وقوع حرب.
ورغم أن دولة الإمارات وبلدان الخليج ومعها العراق والأردن لم تكن طرفاً في الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، وموقفها كان واضحا تماماً منذ اليوم الأول للحرب، إلا أنها تعرضت لاعتداءات إيرانية بدأت في 28 فبراير/شباط الماضي واستمرت بشكل متواصل على مدار 40 يوما.
وتجددت الاعتداءات بشكل متقطع على بعض تلك الدول بعد دخول هدنة وقف إطلاق النار بين أمريكا وإيران حيز التنفيذ منذ 8 أبريل/نيسان الماضي.
وخلال فترة الاعتداءات، نجحت دول الخليج بكفاءة واقتدار في صد الاعتداءات الإيرانية الغادرة على أراضيها، وحماية سيادتها.
وإيمانا منها بأن زج إيران بالدول الخليجية في هذه الحرب محاولة بائسة لدفع المنطقة نحو المزيد من التوتر والتصعيد، عملت دولة الإمارات على دعم الحلول الدبلوماسية والسلمية لحل تلك الأزمة رغم ما تعرضت له من اعتداءات إيرانية، مع احتفاظها بحق الدفاع عن النفس وفق القانون الدولي.
ومرارا، أكد الدكتور أنور بن محمد قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، "أهمية الحل السياسي والمسار التفاوضي" لحل تلك الأزمة.
وشدد على أن دولة الإمارات "ستحمي سيادتها بقوة وكفاءة وثبات، لكن أولويتها وقناعتها الراسخة ستبقيان في تغليب الحلول السياسية، إيمانًا بأنها السبيل لتحقيق السلام والاستقرار والازدهار".
وكانت المفاوضات بين أمريكا وإيران عرضة للفشل، وما كان ينذر بالدخول في موجة صراع جديدة، لولا حكمة القيادة الإماراتية التي أثنت أمريكا عن توجيه ضربة لإيران.
وأعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 18 مايو/أيار الماضي، أن هجوما كان مقررا على إيران في الـ19 من الشهر نفسه، لكن تم تأجيله بناء على طلب رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، وعدد من قادة دول المنطقة.
أيضا مع إعلانه في 11 يونيو/حزيران الجاري عن قرب التوصل لاتفاق، أكد ترامب أن دولة الإمارات كانت في طليعة الدول التي وافقت على بنود الاتفاق.
وفي ضوء الإعلان عن التوصل إلى اتفاق حول مذكرة التفاهم بين أمريكا وإيران، أكدت دولة الإمارات، في بيان أصدرته الإثنين، أهمية تغليب الحوار والدبلوماسية والالتزام بالقانون الدولي بما يعزز الأمن والاستقرار في المنطقة.
كما شددت وزارة الخارجية الإماراتية على أهمية الالتزام الكامل ببنود الاتفاق، بما يضمن ما يلي:
- الوقف الفوري والشامل للأعمال العدوانية في المنطقة.
- احترام سيادة الدول ومبادئ حسن الجوار والالتزام الصارم بالقانون الدولي.
- حماية الممرات البحرية وحرية الملاحة الدولية، بما في ذلك ضمان انسيابية الحركة في مضيق هرمز، بما يعزز الأمن والاستقرار والازدهار الاقتصادي على المستويين الإقليمي والدولي.
وأشادت الوزارة بالجهود الدبلوماسية بقيادة ترامب التي أسهمت في التوصل إلى هذا التفاهم، وبمساهمة الدول والأطراف المعنية في تهيئة الظروف الملائمة للوصول إلى هذا الاتفاق.
ودعت الوزارة إلى أهمية مواصلة المضي قدماً في المفاوضات، بما يتيح البناء على هذا التقدم وتحقيق نتائج مستدامة.
وأكدت أن دولة الإمارات تدعم كافة الجهود الرامية إلى تعزيز الأمن والاستقرار، وترسيخ نهج الحوار والدبلوماسية في معالجة الأزمات الإقليمية والدولية، بما يخدم مصالح شعوب المنطقة ويعزز فرص التنمية والازدهار.
توثيق العدوان
ورغم دعمها لإنهاء الحرب دبلوماسيا، إلا أن الإمارات كانت حريصة على توثيق أعمال عدوان إيران وما نتج عنه من جرائم وأضرار، أمام المجتمع الدولي، كخطوة على طريق محاسبتها وفق القانون الدولي.
وفي هذا الصدد، استعرض السفير جمال المشرخ مندوب دولة الإمارات لدى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة خلال جلسة المجلس اعتداءات إيران على بلاده، وانتهاكها لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني.
وبين أنه منذ انعقاد الجلسة العاجلة للمجلس (مارس/آذار الماضي) واعتماد قرار بالإجماع يدين "الهجمات غير المبررة"، واصلت إيران عدوانها السافر في تحد للقانون الدولي والإرادة الدولية للتوصل لعالم يسوده السلام".
وبين إنه "لا يوجد تفسير عقلاني أو مبرر لعدوان إيران على جيرانها فلا يمكن بأي منطق أو قانون اعتباره عملا مشروعا".
وأشار إلى أن إيران عطلت حركة الملاحة الدولية من خلال إغلاق مضيق هرمز أمام حركة السفن مستهدفة أمن الطاقة وسلاسل الإمداد الدولية.
وبين أنه "منذ تاريخ 28 فبراير/شباط 2026 تعرضت الإمارات لأكثر من 3000 هجوم إيراني لم تكن مجرد انتهاك للسيادة فحسب بل اعتداء على حقوق الإنسان في الأمن والحياة والصحة والتعليم والعمل".
وبين أن تلك الهجمات تسببت في "مقتل وإصابة مدنيين من جنسيات متعددة ومن بينهم نساء وأطفال بالإضافة إلى تدمير وتضرر منازل ومرافق سكنية ومدنية وتجارية، ومنشآت في قطاع النفط والطاقة ودور عبادة وغيرها".
وشدد على أن دولة الإمارات تحتفظ بحقها وفقا للقانون الدولي في الدفاع عن النفس.
تجربة ملهمة
أيضا حرص السفير جمال المشرخ مندوب دولة الإمارات لدى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في كلمته على استعراض تجربة الإمارات الملهمة، في مواجهة عدوان إيران، ونجاحها في إحالة التحديات إلى إنجازات، عازيا أحد أبرز الأسباب إلى "تماسك المجتمع وصموده"، وحرص الدولة على "حماية حقوق الإنسان"، وتمسكها بقيم التسامح وحسن الجوار.
وأكد في هذا الصدد أن دولة الإمارات منذ تأسيسها وهي تبني علاقاتها مع الأمم على التسامح وحسن الجوار واحترام الآخر وبناء الجسور مقدمة رسالة للعالم مفادها أن الانفتاح والاستقرار والابتكار مسارات لا تنفصل.
وبين أنه رغم العدوان فإن "النموذج الإماراتي واصل مسيرته بثبات نحو التنمية والازدهار".
وعزا أسرار هذا النجاح إلى أكثر من سبب أبرزها:
- كفاءة الجيش الإماراتي، حيث " أثبتت المنظومة العسكرية جاهزيتها العالية وقدرتها على التصدي للهجمات وحماية أجواء وأراضي الدولة بكفاءة حظيت بتقدير دولي ".
- النموذج الاقتصادي الإماراتي المرن الذي أثبت قدرته على الصمود حيث استمرت القطاعات الحيوية كالطاقة و الطيران والموانئ في العمل دون انقطاع محافظة على مكانة الإمارات كمركز إقليمي وعالمي موثوق.
- مواصلة المؤسسات الاجتماعية والخدمية تقديم خدماتها لجميع المواطنين والمقيمين والزوار بما يعكس تماسك المجتمع وصموده.
وبين أن "الإمارات جعلت حماية الإنسان أولوية قصوى مع الحفاظ على البنية التحتية الحيوية واستمرار الحركة الاقتصادية وحماية مكتسبات الدولة في تأكيد لنموذجها الراسخ القائم على الأمن والاستقرار والتنمية في جميع الظروف".
وقال إنه "في مواجهة هذا العدوان غير المبرر وغير المسبوق أثبتت المنظومة العسكرية الإماراتية جاهزيتها العالية في التصدي للهجمات وحماية أراضي الدولة بكفاءة".
وأكد أن دولة الإمارات جعلت من حماية الإنسان أولوية قصوى دون تمييز مع الحفاظ على البنى التحتية الحيوية واستمرار الحركة الاقتصادية وحماية استقرار الدولة.
ونجحت دولة الإمارات بكفاءة واقتدار في صد الاعتداءات الإيرانية الغادرة على أراضيها، وقدمت للعالم نموذجًا يُحتذى في إدارة الأزمات وبث الأمن والأمان.
وقدّمت الإمارات نموذجًا مختلفًا؛ دولة قادرة على حماية أمنها بكفاءة، وتعزيز حضورها الدبلوماسي بثقة، ومواصلة دورها الإنساني بلا انقطاع، في معادلة إماراتية متكاملة عبر حزم في الدفاع، ومرونة في الإدارة، وريادة في العطاء، تؤكد أن الدول القوية لا تكتفي بتجاوز الأزمات، بل تستثمرها لترسيخ مكانتها وصناعة تأثيرها.
ولم تكتفِ دولة الإمارات بالصمود أمام الاعتداءات، بل أعادت تعريف معادلة المواجهة ذاتها، محوّلة الضغوط إلى قوة، والتحديات إلى إنجازات متعددة الأبعاد.
إنجازات دبلوماسية وسياسية وإنسانية وعسكرية، ظهرت جلية في حكمة القيادة الإماراتية في التعامل مع الأزمة، والالتفاف الشعبي حولها، والتضامن الدولي الواسع معها، وقدرة القوات المسلحة في صد مختلف الهجمات وإفشالها.