من الإسلام السياسي إلى «المارد الهجين».. «يوروبول» ترصد تحولات الإرهاب
تطرف الإسلام السياسي لا يزال يشكل التهديد الإرهابي الرئيسي بأوروبا، فيما تتلاشى الخطوط الفاصلة بين الأيديولوجيات العنيفة لصالح العنف لذاته.
هذا ما أكده أحدث تقرير سنوي صادر عن «وكالة الاتحاد الأوروبي للتعاون في مجال إنفاذ القانون»، المعروفة اختصارا بـ«يوروبول».
واستنادا إلى بيانات جمعتها الوكالة التي تركز على تعزيز التعاون بين قوات الشرطة والسلطات الأمنية في دول التكتل لمكافحة الجريمة المنظمة والتهديدات الأمنية، فإن 24 هجوما من أصل 45، نُفذت أو أُحبطت أو أُجهضت، سُجلت في الدول الأوروبية العشر المتضررة من الإرهاب عام 2025، كانت ذات طابع إرهابي.
وبحسب التقرير السنوي للوكالة عن «حالة التهديد الإرهابي»، فإن ما تقدم يضع الإرهاب المستوحى من الفكر المتطرف في مرتبة متقدمة بكثير عن تلك المنبثقة من تيارات أقصى اليسار واليسار الراديكالي، فضلا عن المطالبات القومية العرقية والانفصالية.
ويشير التقرير إلى أنه «إلى جانب هذه الأيديولوجيات الراسخة، أسهمت أنظمة معتقدات أخرى تسعى صراحة إلى زعزعة الاستقرار في وقوع حوادث إرهابية داخل الاتحاد الأوروبي».
وهذه «الأنظمة المعتقدية»، التي تستند إلى عدة أيديولوجيات وأشكال من العنف، «يصعب تعريفها»، كما تقول «يوروبول» التي تأسست في عام 1999 ويقع مقرها في لاهاي بهولندا.
«رواد الفوضى»
وفق الوكالة، فإن ظهور «العنف العدمي المتطرف»، خصوصا ذا الطابع الذكوري، أبرز النتائج الجديدة التي يسلط عليها التقرير الضوء؛ إذ يدفع بعض الأفراد، سواء كانوا معزولين أو منتمين إلى مجتمعات إلكترونية، إلى رغبة في «العنف لمجرد العنف» تتجاوز الأطر السياسية الراسخة والمعروفة.
ويستعير هؤلاء الذين اصطلح التقرير على تسميتهم بـ«رواد الفوضى»، الذين غالبا ما يكونون صغارا في السن وغير مدركين للقضايا السياسية، من الأيديولوجيات والأساليب الموجودة بالفعل في سوق التطرف، سواء أكانت إرهابية أو غيرها.
ويستمد هذا النوع العدمي من الإرهاب إلهامه من جماليات ألعاب الفيديو الحربية والقتالية، التي تسهم في تجريد العنف من واقعيته، وخلق نوع من التنافس والتصعيد، فضلاً عن مواقع «الواقع الدموي» التي تعرض مشاهد اغتصاب وتعذيب وموت بشع.
ويرى التقرير أن معاداة السامية، التي كانت مرتفعة للغاية وتتصاعد مجددا منذ هجمات حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، لا تزال القاسم المشترك بين مختلف الأيديولوجيات العنيفة.
عنصرية صارخة
وفي تناولها لتقرير «يوروبول»، ذكرت صحيفة «لوموند» الفرنسية أنه سواء أكان الإرهاب سليل تطرف إسلاموي أو نازية جديدة، أو يسار متطرف، أو حتى «العدمية الجديدة» المذكورة، فإن تنظيمي داعش والقاعدة يسعيان إلى استغلال هجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول (حرب غزة) وتداعياتها لاستعادة نفوذهما.
وتقول الصحيفة إن ذلك يحدث «لدرجة أن هذه الجماعات الإرهابية الضعيفة والمتراجعة لم تعد بحاجة إلى التخطيط المباشر لعمليات إرهابية: فالهجوم المعادي للسامية على شاطئ بوندي في سيدني بأستراليا، في 14 ديسمبر/كانون الأول 2025، كان مستوحى من تنظيم داعش، لكنه لم يكن بتكليف منه، كما أكد التنظيم في منشوراته الإلكترونية.
في المقابل، تلفت الصحيفة إلى أن «معاداة السامية لا تزال سمة تقليدية في بعض أطياف أقصى اليمين الذي يظهر أيضا عنصرية سافرة تجاه المسلمين على وجه الخصوص، وتجاه مجتمعات المهاجرين بشكل عام».
أما بالنسبة لليسار المتطرف، فقد تحولت معاداته التقليدية للصهيونية، التي تجددت بفعل حرب إسرائيل التي استمرت عامين، إلى دعوات لاستهداف المؤسسات الإسرائيلية، والمنظمات المؤيدة لإسرائيل في أوروبا، والكيانات العسكرية والاقتصادية المتهمة بالمساهمة في «الإبادة الجماعية في غزة».
ويشكل السياق المتوتر المحيط بإسرائيل والقضية الفلسطينية، إلى جانب خطاب الكراهية، خطرا أمنيا جسيما على الجالية اليهودية في أوروبا، وفق الصحيفة.
فرنسا.. الأكثر استهدافا
وبحسب «لوموند»، فإن فرنسا تعد الدولة الأكثر استهدافا، ويؤكد معدّو تقرير «يوروبول» على التأثير المتزايد لوسائل التواصل الاجتماعي على عمليات التطرف، وسرعتها، وانتشار المحتوى المحرض على الكراهية أو العنف، والذي يتفاقم بفعل قوة خوارزميات هذه المنصات.
كما يسلطون الضوء بشكل خاص على منصات البودكاست، التي يصعب مراقبتها والتحكم بها.
ويشير التقرير أيضا إلى ظهور الذكاء الاصطناعي في إنشاء محتوى خطير، لا سيما من قبل «رواد التطرف» داخل التيار الإرهابي، كما يُستخدم الذكاء الاصطناعي لتجزئة المحتوى وتكراره وإنشائه وترجمته ونشره على نطاق واسع عبر برامج آلية.
ويترافق هذا التداخل الفكري مع استعارة أساليب مماثلة، فعلى سبيل المثال، يتزايد لجوء عناصر أقصى اليمين من الشباب إلى تقليد أساليب الإسلاميين باسم ما يُسمى «الجهاد الأبيض».
كما تتلاشى الحدود بين الجريمة المنظمة والإرهاب من حيث التكتيكات.
ولا تزال فرنسا الدولة الأوروبية الأكثر استهدافا بالمخططات والهجمات الإرهابية (14 هجوما في عام 2025)، لا سيما من قبل الجماعات الإرهابية، ثم أقصى اليمين.
فيما شهدت إيطاليا نشاطا إرهابيا ملحوظا لليسار الراديكالي في عام 2025 (إحباط أو تنفيذ عشر هجمات).
وفي الختام، أعرب معدو التقرير عن قلقهم، بل تشاؤمهم، وكتبوا يقولون إن «الصراعات الدولية المستمرة، والتقدم التكنولوجي السريع، والديناميات السياسية والمؤسسية، وضغوط الهجرة، والشكوك الاقتصادية وعدم الاستقرار المالي، علاوة على الأزمات غير المتوقعة؛ كلها عوامل تشكل السياق الذي يزدهر فيه الإرهاب والتطرف العنيف».
ويرجحون أن «تظل الهجمات الإرهابية منخفضة الشدة تشكل تهديدا مستمرا، بل قد تزداد وتيرتها».