سياسة

إدلب وخيارات تركيا الصعبة

الأربعاء 2018.8.8 11:17 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 954قراءة
  • 0 تعليق
د . سمير صالحة

رغم إعلان الممثل الشخصي للرئيس الروسي في الملف السوري الكسندر لافرنتياف، أنه لا يوجد على جدول أعمال بلاده عملية عسكرية في إدلب، فهناك إجماع في صفوف المتابعين لتحولات المشهد السوري العسكري والسياسي، أن حسم ملف المدينة بات مسألة ملحة بالنسبة لكثير من اللاعبين المحليين والإقليميين.

علينا ألا نغفل ما يقوله النظام السوري هنا، والذي بدأ يسترد عديدا من المناطق السورية ويفاوض "قوات سوريا الديمقراطية" المحسوبة على أكراد البلاد بشأن تسلم مساحات واسعة من مناطق نفوذها في الشمال والشرق، حول أنه يريد إخراج القوات غير الشرعية ورفع العلم السوري فوق كل الأراضي السورية.

أنقرة هي المعني الأول في كل هذه الرسائل لأنها تعهدت في إطار تفاهمات أستانة أن توفر الأمن والاستقرار في إدلب بعد إنهاء موضوع قوات "هيئة تحرير الشام" المعروفة بجذورها العقائدية والفكرية المرتبطة بجبهة النصرة، لكنها ترددت في إنجاز هذه المهمة ما أغضب حلفاءها المحليين والإقليميين الذين بدأوا يعلنون أنهم لن يتأخروا بعد الآن في التحرك المباشر لتحقيق المطلوب مع أنقرة أو بدونها والرئيس بشار الأسد جاهز لإعطاء الأوامر لقواته.

 ملف إدلب سيتحول عاجلا أم آجلا إلى حبات الكستناء التي تحرق الأصابع فوق النار الحامية بالنسبة لأنقرة كلما زاد التقارب الروسي الأمريكي وصعدت إدارة ترامب ضد إيران إقليميا، وهو سيرتد على أية محاولة تركية لإطالة عمر مجموعات "هيئة تحرير الشام" لاستخدامها في بازار الصفقات الكبرى.

ذريعة أنقرة التي تقول إن مهاجمة الجيش السوري لإدلب ستنسف اتفاق أستانة بينها وبين كلٍّ من روسيا وإيران لم يعد لها تأثيرها لدى كثيرين هناك، خصوصا وأن البعض يتحدث عن احتمال حدوث تفاهم روسي أمريكي في إدلب يهدف لإنهاء ورقة "النصرة" في إطار خطة تسويات أوسع تتعلق بملف الأزمة السورية ككل.

تركيا تريد أن تماطل في إدلب ريثما تتوضح الأمور في تل رفعت ومنبج، لكن الرد المفاجئ جاء على لسان قيادات في "قسد" نفسها هذه المرة لتقول إنها جاهزة للقتال إلى جانب قوات النظام في إدلب لتحريرها.

لا يمكن للوحدات الكردية التي تحاور النظام السوري منذ أسابيع بشكل علني أن توجه رسائل من هذا النوع دون علم واشنطن أو تشجيع روسي وإيراني. المفاوضات القائمة بين النظام والأكراد لا يمكن فصلها عن التطورات المتلاحقة في مدينة إدلب في محاولة لربطها مجددا بمسألتي تل رفعت وعفرين وربما منبج لاحقا في إطار غطاء روسي أمريكي سيدخل حيز التنفيذ كلما ترددت وتأخرت أنقرة في تنفيذ تعهداتها.

ملف إدلب سيتحول عاجلا أم آجلا إلى حبات الكستناء التي تحرق الأصابع فوق النار الحامية بالنسبة لأنقرة كلما زاد التقارب الروسي الأمريكي وصعّدت إدارة ترامب ضد إيران إقليميا. وهو سيرتد على أية محاولة تركية لإطالة عمر مجموعات "هيئة تحرير الشام" لاستخدامها في بازار الصفقات الكبرى. 

تصعيد النظام السوري في إدلب مرده ليس قدراته العسكرية والقتالية بل قد يكون نتيجة الاتفاقيات الأمريكية الروسية التي لم تظهر إلى العلن والتي قد تصدم الأتراك والإيرانيين على السواء. هذا أيضا بين الاحتمالات المطروحة على طاولة المساومات حول المدينة.

أنقرة تدرك جيدا أن جلوسها أمام طاولة التفاوض في سوريا بعد الآن سيكون مرتبطا بإنجاز تعهدات إدلب إما بالقضاء على هذه المجموعات المتشددة عبر محاربتها أو تذويب عناصرها المعتدلة في التنظيمات السورية الأخرى أو إخراجها تماما من المنطقة، وأن الاحتمال الوحيد المتبقي هو تحرك التفاهم الجديد لتولي المهمة نيابة عن أنقرة وبالتالي تضييق الخناق على السياسة التركية في إدلب أكثر فأكثر.

ربطت تركيا بين توسيع رقعة عملياتها في عفرين وبين إنجاز ما اتفق عليه في أستانة حول تطهير المدينة من بقايا "النصرة" والثمن مقابل ذلك قد يكون الترحيب بالدعوة الروسية لمؤتمر الحوار الوطني السوري، وإطلاق عملية النقاش في المرحلة الانتقالية السياسية. هل من المعقول أن ترضى روسيا بإطلاق يد تركيا في عفرين وتل رفعت وإدلب دون أي مقابل يرضي موسكو وحلفائها؟ 

حتى إن أجنحة المعارضة السورية نفسها التي تنسق مع تركيا تنتظر حسم أنقرة لموقفها في هذه المسألة قبل أن تفاجئ قوات النظام الجميع بتحريك القوات نحو إدلب ما يترك تركيا وحلفاءها المحليين في ورطة الملف وارتداداته على بقية المناطق المجاورة، وعندها سيكون الثمن الواجب دفعه هو الانشقاق بين تركيا وشركائها أولا وإطلاق يد موسكو وواشنطن في إدلب ثانيا .

 إدلب جاهزة لتكون الاختبار الجديد لمسار ومصداقية وفرص التحالفات التركية الروسية الإيرانية من جهة والدخول الأمريكي على خط الازمة من ناحية ثانية، الأخطر من كل ذلك بالنسبة لأنقرة سيكون سيناريو أن خطة الحل في إدلب التي كانت مشمولة باتفاق خفض التصعيد في إطار صفقة أستانة، هي اليوم أمام الخطة البديلة التي قد تلعب ضد تركيا وتشمل ورقة اللاجئين والوجود العسكري المختلط في المدينة بهدف إضعاف النفوذ التركي وإخراج أنقرة وحلفائها المحليين من المشهد. ما يقلق أنقرة هو كذلك موضوع تحريك مئات الآلاف من اللاجئين الجدد إلى داخل الحدود التركية قادمين من إدلب عند بدء العمليات العسكرية بقرار روسي أمريكي.

تقول دمشق إن بين أولوياتها اليوم طرد مجموعات "هيئة تحرير الشام" من إدلب. ويقول الدبلوماسي السوري بشار الجعفري إن تركيا تخالف التزاماتها فيما يتعلق بإنشاء منطقة خفض التصعيد في محافظة إدلب باتخاذ خطوات باتجاه استبدال الهوية السورية بالتركية هناك، لكن الرد السريع على ذلك جاء عبر الإعلان عن تشكيل أكبر كيان عسكري يضم نحو 100 ألف مقاتل، تحت مسمى "الجبهة الوطنية للتحرير" بدعم من تركيا. هل الخطوة التركية هذه ستكون باتجاه الرد على النظام في سوريا أم على أي سيناريو روسي أمريكي يقلب حساباتها في إدلب رأسا على عقب؟  

كرر الإعلام التركي أكثر من مرة خبر أن جبهة النصرة رفضت طلبا تركيا بحل نفسها والاندماج مع التشكيل الجديد للمعارضة السورية المعتدلة، رغم معرفتها أنها المستهدف الأول في كل السيناريوهات المطروحة اليوم حول الحل في إدلب. أنقرة أيضا تعرف أن خياراتها محدودة بهذا الخصوص أيضا أمام السيناريو الأمريكي الروسي البديل.

نشرت صحيفة "يني شفق" التركية المقربة من حزب العدالة والتنمية الحاكم، مادة تحليلية حول تطورات المشهد السوري تقول إن تركيا وروسيا تتفاوضان بشأن صيغة ينسحب بموجبها الجيش السوري من حلب، لتنتقل السيطرة على المدينة إلى الجانب التركي.

ونقلت الصحيفة عن مصادر مطلعة تركية وأخرى سورية محسوبة على المعارضة إشارتها إلى أن المفاوضات بين الوفود التركية والروسية لا تزال مستمرة من أجل الإشراف على العاصمة الثانية لسوريا في الشمال.

الصحيفة التركية نفسها لم تعقب بعد على خبر مفاده أن النظام السوري الذي ينسق مع طهران وموسكو يستعد لتحريك قواته نحو إدلب لإخراج التنظيمات الإرهابية منها ورفع العلم السوري هناك. البعض في أنقرة يمني النفس بالدخول إلى حلب والنظام في دمشق يلوح أن معركة استرداد إدلب قريبة. بعض الوقت ونعرف الإجابة.

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات