حلقة جديدة من التوتر بين الهند وباكستان.. حرب المياه
تتصاعد التوترات بين الهند وباكستان على نحو متزايد مع بروز المياه بوصفها ساحة صراع جديدة بين القوتين النوويتين في جنوب آسيا.
ففي الوقت الذي تحولت فيه منشآت المياه في الشرق الأوسط إلى أهداف مباشرة خلال التصعيد العسكري الأخير، تتكشف في جنوب آسيا مواجهة مختلفة الطابع، تدور بوتيرة أبطأ لكنها تحمل في طياتها إمكانات كبيرة للتصعيد.
ويبرز في قلب هذه المواجهة مشروع سد شاهبور كاندي الهندي، الذي يقترب من الاكتمال بعد عقود طويلة من الجدل والتأجيل، وفقا لموقع ريسبونسبل ستيت كرافت.
وتعود فكرة إنشاء السد إلى أواخر سبعينيات القرن الماضي، حين وضعت رئيسة الوزراء الهندية السابقة أنديرا غاندي حجر الأساس للمشروع عام 1982، مع تحديد عام 1988 موعداً لإنجازه.
غير أن الخلافات الحدودية بين ولايتي البنجاب وجامو وكشمير حالت دون استكمال المشروع لسنوات طويلة، قبل أن يُستأنف العمل فيه في سبتمبر/أيلول 2018 عقب تفاهمات سمحت بإحياء خطط البناء.
وبعد ما يقرب من نصف قرن على طرح الفكرة لأول مرة، يتوقع أن يكتمل بناء السد بحلول نهاية مارس/آذار الجاري.
ويقع سد شاهبور كاندي على الحدود الفاصلة بين البنجاب وجامو وكشمير، ويهدف في الأساس إلى استغلال مياه نهر رافي بصورة أكبر داخل الأراضي الهندية.
ورغم أن المشروع لن يؤدي إلى وقف تدفق المياه بالكامل نحو باكستان، فإنه سيقلص بشكل ملحوظ الكميات الفائضة التي كانت تعبر الحدود دون استخدام.
وتستند الهند في هذا الإجراء إلى معاهدة تقاسم المياه الموقعة عام 1960، والتي تمنحها حقوقاً حصرية في الأنهار الشرقية الثلاثة، ومن بينها نهر رافي، بينما تذهب الأنهار الغربية إلى باكستان.
لكن أهمية المشروع لا تقتصر على أبعاده التقنية أو التنموية، إذ يرى مراقبون أن توقيت اقتراب إنجازه يحمل دلالات سياسية أعمق. ففي العام الماضي، وبعد هجوم أودى بحياة 26 شخصاً، أعلنت نيودلهي تعليق العمل بمعاهدة تقاسم المياه.
تحول لافت
ويشير خبراء إلى أن هذا القرار شكّل تحولاً لافتاً في معادلة استمرت لأكثر من ستة عقود، ما فتح الباب أمام مرحلة جديدة من التوترات المرتبطة بإدارة الموارد المائية بين البلدين.
ويرى بعض الباحثين، أن إنجاز سد شاهبور كاندي قد يندرج ضمن استراتيجية أوسع تسعى من خلالها الهند إلى رفع كلفة ما تصفه بسلوك باكستان المعادي، في حين يعتبر آخرون أن المشروع ليس سبباً مباشراً لتدهور العلاقات بقدر ما يمثل انعكاساً لمسار طويل من التوتر المتصاعد بين الطرفين.
كما يشير خبراء في قضايا المياه إلى أن التصعيد الأمني الأخير سرّع وتيرة تطوير البنية التحتية المائية الهندية في حوض نهر رافي ومناطق أخرى في غرب البلاد، في ظل قرار سياسي يمنح الأولوية لمثل هذه المشاريع، وفق ما نقله الموقع ذاته.
ومع ذلك، يكتسب السد أهمية رمزية لافتة في سياق العلاقات الثنائية، إذ يعكس استمرار تدهور الثقة بين الجانبين وغياب أي مؤشرات واضحة على انفراج قريب. ويرى محللون أن هذه التطورات تغذي شعوراً متزايداً بانعدام الاستقرار في المنطقة، حيث تتداخل اعتبارات الأمن القومي مع قضايا الموارد الطبيعية، ما يجعل المشهد أكثر تعقيداً وحساسية.
من الناحية العملية، يرجح بعض الخبراء أن التأثير المباشر للسد على باكستان سيكون محدوداً نسبياً، نظراً لاعتمادها على مصادر مائية أخرى ضمن منظومة نهر السند. غير أن المخاوف الحقيقية تكمن في التداعيات السياسية المحتملة، لا سيما أن القطاع الزراعي يمثل نحو ربع الناتج المحلي الإجمالي الباكستاني ويعتمد بدرجة كبيرة على مياه هذا النظام النهري.
مخاوف
وفي هذا السياق، قد تنظر إسلام أباد إلى أي تغيير في تدفقات المياه باعتباره محاولة متعمدة للإضرار بمصالحها، وهو ما قد يفسر بوصفه خطوة عدائية بالغة الحساسية.
وتزداد حدة هذه المخاوف في ضوء تصريحات سابقة لمسؤولين باكستانيين أكدوا فيها، أن أي تعطيل كبير لتدفق المياه سيُعد عملاً حربياً. ويرى بعض الخبراء أن المكاسب المباشرة للسد بالنسبة للسكان في الهند قد تبدو محدودة مقارنة بما قد يحمله من تأثيرات جيوسياسية، خصوصاً إذا فُسِّر المشروع على أنه أداة ضغط على باكستان.
ولا تقف تداعيات هذه القضية عند حدود البلدين، بل تمتد إلى المشهد الإقليمي الأوسع. فباكستان تعتبر المشروع اختباراً لفاعلية النظام الدولي في إدارة النزاعات المرتبطة بالمياه، في حين تبدي الهند قلقاً متزايداً إزاء السدود التي تخطط الصين لإقامتها في أعالي الأنهار المشتركة، على حد قول الموقع ذاته.
كما تراقب بنغلاديش عن كثب مشاريع السدود الهندية، خشية تأثيرها في تدفقات المياه المتجهة إليها. وتعكس هذه التفاعلات المتشابكة اتجاهاً متنامياً نحو تسييس الموارد المائية في جنوب آسيا، بما قد يحولها إلى محور تنافس استراتيجي بين دول المنطقة، وفق المصدر ذاته.