التحليلات

الانتخابات الإندونيسية.. حراك سياسي جديد لإعادة إنتاج الماضي

الإثنين 2019.4.15 08:41 مساء بتوقيت أبوظبي
  • 304قراءة
  • 0 تعليق
الانتخابات التشريعية والرئاسية في إندونيسيا

الانتخابات التشريعية والرئاسية في إندونيسيا

تشهد إندونيسيا، بعد غد الأربعاء، إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية في نفس الوقت، وهي الانتخابات التي توصف بانها" استنساخ" لسابقتها التي أجريت في عام 2014، وسط تصاعد توظيف التيارات الدينية في سباق الانتخابات.

وتعتبر إندونيسيا ثالث أكبر ديمقراطية في العالم بعدد ناخبين يبلغ حوالي (193) مليون ناخب في أكثر من (809) ألف مركز اقتراع على مستوى الدولة.

وبالرغم من كون إندونيسيا نظاماً رئاسياً إلا أن الفريق الرئاسي المرشح (الرئيس ونائبه) يحتاج إلى الحصول على دعم من الأحزاب في البرلمان، خاصة التي لديها مقاعد تصل نسبتها إلى 20%، ونظراً لعدم وجود حزب في البرلمان الحالي حصل على تلك النسبة، فإن المرشحين للانتخابات الرئاسية يسعون للحصول على دعم عدة أحزاب أو ائتلاف لديه عدد أكبر من المقاعد في البرلمان.

أبرز المرشحين في الانتخابات الرئاسية

وكما أوضحنا سابقاً فإن الانتخابات الرئاسية الإندونسية بمثابة إعادة للانتخابات الرئاسية التي جرت عام 2014 بين الرئيس الحالي جوكو ويدو والجنرال العسكري السابق "برابو سوبيانتو"؛ حيث إن "جوكو ويدو" هو رئيس إندونيسيا الحالي الذي فاز في الانتخابات الرئاسية الأخيرة عام 2014، وقد اختار نائباً له وهو معروف أمين الذي يرأس "مجلس علماء إندونيسيا"، وقد تم اختيار معروف من أجل استغلال ورقة الدين في الانتخابات، بالرغم من مواقف "معروف" المتشددة دينياً، لذا فإن جوكو يحاول تقديم نفسه للشعب الإندونيسي بوصفه زعيماً "إسلامياً ملتزماً"، ولذا فقد قام بزيارات متكررة للمدارس الداخلية ذات الصبغة الدينية كجزء من الدعاية الانتخابية.

وقد دعمت تسعة أحزاب ترشح هذا الفريق الرئاسي (ويدو وأمين) على رأسها حزب النضال من أجل الديمقراطية (PDIP) الذي يعد هو الحزب الحاكم، وتشكل تلك الأحزاب مجتمعة نسبة 60% من مقاعد البرلمان الحالي، وحوالي 62% من مجموع الأصوات في الانتخابات البرلمانية الأخيرة.

وقام ويدو بالحصول على دعم تيارات دينية متشددة مثل جمعية نهضة العلماء ومشرفي معاهدها الدينية التقليدية الذين استندوا في دعمهم إلى أن المرشح لمنصب نائب الرئيس هو رئيس مجلس علماء إندونيسيا.

أما المرشح الثاني "برابو سوبيانتو"، فهو جنرال متقاعد وكان قد خسر سباق الانتخابات الرئاسية الأخيرة عام 2014، وقد اختار نائباً له وهو "ساندياجو أونو" نائب حاكم جاكرتا الحالي وهو رجل أعمال شاب معروف في الأوساط الإندونيسية.

وقد دعمت عدة أحزاب هذا الترشح على رأسها حزب "حركة إندونيسيا العظمى" الذي حل ثالثاً في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، كذلك هناك دعم لهذا الفريق الرئاسي (سوبيانتو وأونو) من أحزاب أخرى محسوبة على التيارات الدينية مثل حزب الأمانة الوطني الذي يمثل تيار جمعية المحمدية الإسلامية، وحزب العدالة والرفاهية الذي يمثل جماعة الإخوان في إندونيسيا.

وبالتالي فإن هناك أحزاباً دينية ذات ثقل شعبي تدعم الجنرال برابو سوبيانتو الذي يترشح للمرة الثانية على التوالي، كذلك فإنه يحظى بدعم حزب المعارضة الأقوى في البرلمان حزب "حركة إندونيسيا العظمى"، وتمثل تلك الأحزاب الداعمة له مجتمعة 40% من مقاعد البرلمان الحالي، وحوالي 36% من مجموع الأصوات في الانتخابات البرلمانية الأخيرة.

ويركز "برابو سوبيانتو" في توجهاته وأفكاره على رعاية القيم الدينية والأخلاقية بالمجتمع وينادى بدعم كفاح الشعب الفلسطيني من أجل الاستقلال في كل المحافل الدولية، علاوة على حماية منظومة القيم الإندونيسية من أي تدخلات خارجة عنه.

أبرز التحالفات الحزبية في الانتخابات التشريعية

أما فيما يتعلق بالانتخابات التشريعية فيتنافس فيها حوالي 20 حزباً معظمها من الأحزاب القديمة، وبعضها جديد لكنها تمثل شخصيات معروفة مثل حزب الإنجاز الذي أسسه أبناء الرئيس الأسبق سوهارتو.

ويمكن القول إن الشكل العام لخريطة الانتخابات التشريعية المقبلة لا يختلف بشكل كبير عما كانت عليه في انتخابات عام 2014، وتتبلور التحالفات الحزبية بشكل فعلي عقب إعلان نتيجة الانتخابات؛ حيث إن بعض الأحزاب تتحرك من المعارضة إلى الائتلاف الحاكم والعكس مثلما حدث في الانتخابات السابقة.

ويعتبر حزب النضال من أجل الديمقراطية (PDIP) هو المرشح الأبرز في الانتخابات التشريعية، خاصة أنه الحزب الحاصل على أكثر مقاعد مجلس نواب الشعب، خلال الانتخابات البرلمانية عام 2014، ويقود الائتلاف الحكومي الحالي (kp3)، كما أنه الحزب الذي ينتمي إليه رئيس إندونيسيا الحالي والمرشح الرئاسي للانتخابات المقبلة.

ويظهر معه في خريطة الأحزاب الرئيسية في الانتخابات البرلمانية المقبلة حزب "جولكار" الذي حل ثانياً في الانتخابات البرلمانية الأخيرة بعدد 91 مقعداً في مجلس نواب الشعب، وهو جزء من التحالف الحكومي الذي تشكل عقب الانتخابات البرلمانية الأخيرة، وفي الجانب المقابل يأتي الحزب الأبرز في تحالف المعارضة، وهو حزب "حركة إندونيسيا العظمى" الذي يملك 73 مقعداً في البرلمان الحالي، ويعتبر هو أكبر أحزاب المعارضة في البلاد.

أما فيما يتعلق بالأحزاب الدينية، فإن حزب العدالة والرفاهية هو حزب معارض يتبنى التوجه المحافظ للإخوان، من خلال اعتبار الشريعة الحل للمشكلات الاجتماعية والسياسية، وقد حصد الحزب في الانتخابات البرلمانية عام 2014 حوالي (40) مقعداً، وهو حزب معارض للائتلاف الحكومي الحالي، وكذلك يؤيد المرشح الرئاسي برابو سوبيانتو في الانتخابات الرئاسية المقبلة.

التوظيف السياسي للتيارات الدينية

تُحيط بالانتخابات الإندونيسية حالة من الاستقطاب الديني المتزايد، خاصة في ظل محاولة المرشحين اللعب على المشاعر الدينية، من أجل تحقيق مكاسب سياسية في الدولة التي تُعد أكبر دولة إسلامية من حيث عدد السكان.

 وقد شهدت العاصمة جاكرتا في ديسمبر 2018 مظاهرات ضخمة لإحياء مرور ذكرى عامين على المسيرة التي أطاحت بحاكم جاكرتا السابق، بدعوى أنه كان مسيحياً، وهي حالة من حالات استعراض القوى من جانب المتشددين في البلاد.

وقد تم توظيف ذلك في السباق الانتخابي؛ حيث ألقى الجنرال السابق والمرشح للانتخابات الرئاسية المقبلة "برابو سوبيانتو" خطاباً على المتظاهرين الذين كانوا يرفعون أعلاماً ذات مدلول ديني، وقد أعلن في كلمته عن تأييده لتلك المظاهرات، وهو له هدف سياسي لتعزيز فرصه في الفوز في الانتخابات المقبلة.

وقد أدرك المرشح الرئاسي الآخر "جوكو ويدو" ضرورة كسب تأييد المتشددين دينياً، من أجل ضمان الفوز في الانتخابات الرئاسية، ولذلك فقد اختار معروف أمين كمرشح على منصب نائب الرئيس، وهو رجل دين محافظ.

كذلك فقد قام "ويدو" بالحصول على دعم تيارات دينية متشددة مثل جمعية نهضة العلماء ومشرفي معاهدها الدينية التقليدية الذين استندوا في دعمهم له إلى قيامه باختياره أمين معروف رئيس مجلس علماء إندونيسيا كنائب له، وذلك في مواجهة دعم عدد آخر من التيارات الدينية لمنافسه برابو سوبيانتو في انتخابات الرئاسة.

توتر الأوضاع الأمنية

تزامناً مع عقد الانتخابات تشهد إندونيسيا من وقت إلى آخر حالة من حالات عدم الاستقرار الأمني في ظل تكرار الاشتباكات المسلحة بين الجيش وانفصاليين، لعل أبرزها وقوع اشتباكات في أبريل/نيسان الجاري في بابوا التي تعاني من صراع انفصالي منذ دمجها مع إندونيسيا بعد استفتاء مدعوم من الأمم المتحدة عام 1969.

وينذر هذا الوضع المتوتر بإمكانية حدوث اشتباكات في بابوا، خاصة في ظل إعلان نشطاء بها عن مقاطعة الانتخابات المقبلة، ويعود جزء كبير من معضلة التمرد في بابوا إلى تهميش الإقليم، ولذا فقد وعد الرئيس ويدو بالانتهاء من مشروع الطريق السريع في بابوا ضمن وعود بتنمية الإقليم الذي يعد من بين أفقر أقاليم البلاد الأربعة والثلاثين وفق بيانات عام 2018.

وفي ذات السياق فإن تنظيم داعش ينشط في إندونيسيا، وقد تبنى التنظيم عدداً من العمليات الإرهابية في إندونيسيا، خلال الفترة من عام 2016 حتى عام 2018، وذلك تزامناً مع انتشار الفكر الداعشي بين عدد كبير من المنتمين للجماعات المتطرفة المختلفة في إندونيسيا.

وفي منتصف عام 2018 تم تنفيذ هجمات انتحارية على كنائس ومركز للشرطة في سورابايا، نفذها أشخاص على صلة بجماعة أنصار الدولة المؤيدة لتنظيم داعش، وأسفرت الهجمات عن مقتل 11 شخصاً على الأقل، علاوة على إصابة العشرات، وأعلن تنظيم داعش مسؤوليته عن تلك الهجمات التي تعتبر الأعنف منذ عام 2005 في إندونيسيا.

ومن الملاحظ أن العمليات الإرهابية لتنظيم داعش في إندونيسيا تركز بشكل أساسي على أهم وأكبر مدينتين في البلاد، هما جاكرتا العاصمة وسورابايا التي تعد ثاني أكبر مدينة في البلاد، وهو ما يعكس مدى قدرة التنظيم على اختراق المدن الكبرى في إندونيسيا.

الانتخابات الرئاسية والتشريعية.. نتائج متوقعة

فيما يتعلق بالانتخابات الرئاسية، فإن أغلب استطلاعات الرأي تقريباً تشير إلى فوز "جوكو ويدو" على منافسه "برابو سوبيانتو" في تلك الانتخابات، وتتفق النسب بشكل كبير حول حصول ويدو على حوالي 55% أو أكثر قليلاً من إجمالي الأصوات في مقابل نسبة تبلغ حوالي 32% فقط لسوبيانتو، في حين أن هناك حوالي 13% من الناخبين لم يحسموا حتى الآن اختيارهم في الانتخابات الرئاسية المقبلة.

وفي ذات السياق، فقد ذهبت استطلاعات أخرى إلى نجاح المرشح الرئاسي ويدو لكن بنسبة أعلى تصل إلى 59.2% من إجمالي الأصوات، وحصول سوبيانتو على نسبة 31.1% فقط، وبالتالي فإن استطلاعات الرأي تتوقع أن يفوز ويدو بنسبة كبيرة خلال الانتخابات الرئاسية المقبلة.

أما فيما يتعلق بالانتخابات التشريعية، فإن بعض التوقعات تشير إلى استمرار فوز حزب النضال من أجل الديمقراطية (PDIP) بأكثرية عدد المقاعد، بل إنه سوف يحصل على أكثر من (109) مقاعد التي كان قد حازها في انتخابات عام 2014، وذلك في ظل زيادة مقاعد مجلس نواب الشعب لحوالي 575 مقعداً؛ حيث إنه من المتوقع أن يحصل الحزب على 114 مقعداً ليظل هو الحزب الحاكم وصاحب أكبر عدد من المقاعد في البرلمان المقبل.

تعليقات