تحتاج المجتمعات الحديثة إلى أفكار إبداعية في أساليب نشر الوعي بين مواطنيها والمقيمين فيها..
من ضمن تلك الأساليب اختيار التوقيت الزمني وكذلك اللغة المستخدمة في توصيل الرسالة. وذلك نتيجة لحالة "الازدحام" في عامل الوقت وانشغال الناس الدائم باعتبار أن الانشغال الدائم هي إحدى ظواهر العصر الذي نعيشه. وربما من الأفكار الجميلة في دولة الإمارات في تحقيق هدفها التوعوي هي الجلسات أو الأمسيات الرمضانية.
ومن أشهر تلك الأمسيات أو الجلسات الرمضانية، بلا شك، مجلس "محمد بن زايد" الذي يستضيف مفكرين وخبراء محليين وعربا وعالميين لتبادل المعرفة حول الموضوعات التي تهم الإنسانية بشكل عام، ولكن هناك أيضا مجالس متخصصة حول موضوعات معينة مثل تلك التي تنظمها وزارة الداخلية، آخرها تلك التي نظمت في مدينة العين يوم الجمعة الماضي في مجلس الشيخ محمد بن ركاض العامري.
هذه الجلسات الفريدة من حيث انتشارها لكافة أنحاء الإمارات ومن حيث طرح الموضوعات والحضور، أصبحت من العادات الإماراتية الرمضانية السنوية حتى بدت بعضها تكون راسخة نتيجة لانتظام انعقادها وتكرارها في مختلف مدن الدولة وذلك من باب الشعور بالمسؤولية المجتمعية لها. على اعتبار أن المسؤولية المجتمعية للمؤسسات الحكومية والمؤسسات الخاصة هي أحد المعايير العالمية لقياس إيجابية تلك المؤسسات تجاه المجتمع الذي تتواجد فيه.
وكنوع من التركيز أكثر على الدور الذي تقوم به وزارة الداخلية أنها بهذه المجالس تؤكد على الدور الحقيقي للأمن المجتمعي، الذي ينطلق بالأساس من التوعية قبل أي إجراء ضبطي أو قانوني وهو ما يعرف تقليدياً "الشرطة في خدمة الشعب"، فالهدف الأساسي لكل المؤسسات الأمنية خدمة الإنسان وليس المحاسبة أو المعاقبة إلا باعتباره إجراء لاحقا. فما تقوم به هذه المؤسسة الأمنية في دولة الإمارات تؤكد على أن المجال التوعوي للمجتمع يسبق أي إجراء ضبطي.
اللافت في الجلسة الأخيرة في مدينة العين جملة من العوامل الإيجابية التي تجعل مثل هذه الجلسات مهمة من وجهة نظري سأكتفي بذكر أربعة من تلك العوامل. أولها: موضوع الجلسة أو القضية المتناولة، حيث كان الموضوع يدور حول التمكين الحكومي للأسرة الإماراتية. والأسرة كما يعرفها الجميع هي النواة الأولى لأي مجتمع في العالم. وربما تزداد أهمية هذا الموضوع في تلك الأمسية أنه يواكب "عام المجتمع" الذي أقرته الحكومة الإماراتية ليكون شعار عام 2025 بمعنى أنه موضوع الساعة ويحتاج المزيد من تعزيز المناقشة والتحاور بين أفراد المجتمع.
أما العامل الثاني اللافت في تلك الجلسة التي كانت آخر جلسات وزارة الداخلية في الشهر الفضيل هم: المتحدثون، فكما يبدو لي أن الجلسة لم تكن "طارئة"، وإنما تم التنسيق لها مسبقاً وتم الإعداد والترتيب كي تخرج بفائدة كبيرة، فطريقة تحضير المتحدثين كانت تجميع بين المعلومة والرأي. كما أن دائرة المتحدثين تنوعت، صحيح أن المنظم هو وزارة الداخلية ولكن شارك في الجلسة جهات أخرى أجدها معنية بالموضوع بطريقة مباشرة وغير مباشرة منها مؤسسة التنمية الأسرية، ومركز تريندز للبحوث والاستشارات ووجود مركز بحثي له دلالة مهمة وهي أنه لا يقوم عمل أي كان نوعه دون مراكز فكرية التي تستطيع أن تقدم الاستشارات والدراسات لمعالجة إلى قضية أو موضوع. مثل هذا التعاون يؤكد على الاهتمام بالأسرة مسئولية يتشارك فيها الجميع.
العامل الثالث: كان المحتوى المقدم في الجلسة حيث مزج بين اللغة الأكاديمية الموضوعية والجادة، وبين البساطة والسلاسة من خلال استعراض النسب والأرقام وسرد قصص دون إزعاج وملل وبين طريقة الإلقاء أقرب لأحاديث ودية مع إدارة رفيعة المستوى للجلسة التي قادها باقتدار الدكتور محمد عبدالله العلي الرئيس التنفيذي لمركز تريندز. أما العامل الأخير: فهو الجمهور الحاضر فهو الآخر كان مزيج من الأجيال المختلفة ومن مستويات مختلفة ثقافيا وهو ما يحقق الهدف والفكرة من إقامتها مثل هذه الجلسات في مجالس المواطنين وهو تعميم الفائدة المرجوة.
إن هذه المجالس تُعيد تشكيل الصورة النمطية لمجتمع الإمارات وهي "المجالس مدارس" حيث يتم من خلالها فعل شيئين، تناقل المعارف الإنسانية من خلال استضافة مفكرين عالمين وهذا يحدث في مجلس "محمد بن زايد". والشيء الآخر تناقل الثقافات والعادات والتقاليد بين الأجيال في دولة الإمارات والاثنين يكملان بعض في عصرنا الحديث لأن الاثنين يحتاجهما الإنسان في أي مكان في العالم.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة