عاصفة كادت أن «تبتلع» الحلفاء على أبواب صقلية
في ليلة التاسع من يوليو/تموز 1943، كانت قوات الحلفاء على موعد مع واحدة من أكثر العمليات العسكرية طموحا منذ اندلاع الحرب العالمية الثانية.
ووفقا لموقع قناة «هيستوري»، اتجهت أكثر من 3 آلاف سفينة و4آلاف طائرة نحو جزيرة صقلية لتنفيذ عملية "هاسكي"، أكبر إنزال برمائي في التاريخ حتى ذلك الوقت، تمهيداً لفتح الجبهة الإيطالية.
لكن قبل أن تبدأ المعركة مع قوات المحور، وجد الحلفاء أنفسهم بمواجهة خصم لم يكن ضمن حساباتهم: عاصفة متوسطية عنيفة كادت تحول العملية إلى كارثة عسكرية، وأنتجت لاحقاً دروسا غيرت طريقة التخطيط لأكبر عملية إنزال في التاريخ، وهي عملية النورماندي.
صقلية.. بوابة إسقاط إيطاليا
بعد نجاح الحلفاء في طرد قوات المحور من شمال أفريقيا، اتجهت الأنظار إلى الخطوة التالية في الحرب.
وبينما فضلت الولايات المتحدة التمهيد لغزو فرنسا مباشرة، دفع رئيس الوزراء البريطاني في ذلك الوقت ونستون تشرشل نحو استهداف ما وصفه بـ"الخاصرة الرخوة" لأوروبا، أي إيطاليا، باعتبارها الحلقة الأضعف في تحالف المحور.
واستقر القرار على غزو صقلية، ليس فقط لأهميتها العسكرية في قلب البحر المتوسط، بل لأن سقوطها كان مرشحاً لإحداث زلزال سياسي داخل إيطاليا نفسها، عبر تقويض نظام بينيتو موسوليني وفتح الطريق نحو البر الإيطالي.
واعتمدت الخطة على هجوم مزدوج يجمع بين إنزال بحري واسع على الشواطئ الجنوبية للجزيرة، وإنزال آلاف المظليين والطائرات الشراعية خلف خطوط الدفاع للاستيلاء على الجسور والطرق والمطارات قبل وصول القوات البرية.
خطة جريئة اصطدمت بالواقع
رغم ضخامة العملية، واجهت القوات المحمولة جواً مشكلات متراكمة منذ مرحلة الإعداد. فقد وصلت الطائرات الشراعية متأخرة إلى قواعد الانطلاق في شمال أفريقيا، وتعطلت أعمال الصيانة بسبب أخطاء لوجستية، بينما صدر في اللحظات الأخيرة قرار بنقل العملية من النهار إلى الليل لتعزيز عنصر المفاجأة.
ولم يكن الطيارون مستعدين لهذا التغيير. فكثير منهم لم يتلق سوى ساعات محدودة من التدريب على الطائرات الشراعية، ولم يسبق لهم تنفيذ طلعات ليلية أو التحليق لمسافات طويلة فوق البحر، في وقت كانت فيه وسائل الملاحة الجوية لا تزال بدائية مقارنة بالمعايير الحديثة.
ليلة تحولت فيها السماء إلى ساحة كارثة
مع إقلاع الطائرات من تونس مساء التاسع من يوليو/تموز، تغيرت الأحوال الجوية بصورة مفاجئة، حيث هبت رياح عاتية وأمطار غزيرة خفضت مستوى الرؤية إلى الحد الأدنى، بينما كان أسطول الغزو البحري قد أصبح في طريقه إلى صقلية، ما جعل إلغاء المهمة الجوية خياراً مستحيلاً.
وخلال ساعات قليلة، تحولت خطة الإنزال إلى فوضى كاملة. فقد دفعت الرياح طائرات المظليين بعيداً عن مناطق الإسقاط، فتشتت آلاف الجنود على مساحة شاسعة، بينما تعرضت الطائرات الشراعية لضربات أشد قسوة.
فقد انقطعت حبال السحب عن عدد كبير منها، وأُطلقت أخرى في توقيتات خاطئة، لتسقط في مياه البحر المتوسط أو بعيداً عن أهدافها.
ومن بين 144 طائرة أقلعت من شمال أفريقيا، لم تصل إلى مناطق الهبوط المحددة سوى 12 طائرة، فيما تحطمت عشرات الطائرات في البحر، وأسفرت الكارثة عن مقتل أكثر من 600 جندي، معظمهم غرقاً، لترتبط الطائرات الشراعية منذ ذلك الحين بلقب "النعوش الطائرة".
من مأساة صقلية إلى نجاح النورماندي
ورغم الخسائر الفادحة، لم تفشل عملية "هاسكي". فقد تمكنت قوات الحلفاء من تثبيت رؤوس الجسور على الشواطئ، وأعاد المظليون الناجون تنظيم صفوفهم ونفذوا هجمات أربكت دفاعات المحور، لتنتهي الحملة بعد 38 يوماً بالسيطرة على صقلية، وهو ما مهد لسقوط نظام موسوليني وخروج إيطاليا تدريجياً من الحرب.
لكن الإرث الحقيقي للعملية لم يكن في نتائجها العسكرية فحسب، بل في الدروس التي تركتها. فقد دفعت الكارثة القائد الأعلى للحلفاء دوايت أيزنهاور إلى إعادة تقييم عمليات الإنزال الجوي، ومنحت خبراء الأرصاد الجوية دوراً غير مسبوق في التخطيط للعمليات العسكرية.
وعندما جاء موعد إنزال النورماندي في يونيو/حزيران 1944، استمع الحلفاء إلى توصية خبير الأرصاد الاسكتلندي جيمس ستاغ بتأجيل الهجوم يوماً واحداً بسبب سوء الأحوال الجوية.
وأثبت القرار لاحقاً أنه كان حاسماً في نجاح العملية، بعدما فوجئت القيادة الألمانية بتنفيذ الإنزال في نافذة جوية قصيرة اعتقدت أنها غير صالحة للهجوم.
وهكذا، تحولت العاصفة التي كادت تبتلع عملية "هاسكي" إلى أحد أهم الدروس العسكرية في القرن العشرين، مؤكدة أن الطبيعة قد تكون أحياناً خصماً لا يقل خطورة عن الجيوش.