نورماندي.. اليوم الذي «أنقذ» أوروبا وغيّر مسار الحرب العالمية الثانية
في 6 يونيو/حزيران 1944، انطلقت عملية "أوفرلورد" بقيادة الجنرال دوايت أيزنهاور، لتسجل واحدة من أهم اللحظات الفاصلة في القرن العشرين.
ففي ذلك اليوم، عبر مئات الآلاف من الجنود الأمريكيين والبريطانيين والكنديين القناة الإنجليزية نحو شواطئ نورماندي شمالي فرنسا، ضمن أكبر عملية إنزال بحري شهدها التاريخ، واضعين نصب أعينهم هدفاً واضحاً: اختراق التحصينات الألمانية، وتحرير أوروبا الغربية، ووضع نهاية لحكم أدولف هتلر النازي.
وجاءت العملية في وقت كانت فيه ألمانيا النازية تسيطر على معظم أوروبا الغربية، فيما كانت الحرب قد دخلت مرحلة حاسمة على مختلف الجبهات. ورأى قادة الحلفاء أن فتح جبهة غربية مباشرة ضد القوات الألمانية أصبح ضرورة عسكرية وسياسية لا تحتمل التأجيل.
سباق لوقف آلة الإبادة
بحلول صيف عام 1944، كانت أوروبا تعيش واحدة من أحلك مراحل تاريخها الحديث. فقد بسطت ألمانيا النازية نفوذها على معظم دول أوروبا الغربية، بينما كانت سياسات الاضطهاد والإبادة الجماعية تحصد أرواح الملايين.
ولذلك لم يكن إنزال نورماندي مجرد عملية عسكرية، بل محاولة لإنهاء نظام مسؤول عن واحدة من أبشع الجرائم في التاريخ الإنساني.
ورغم ارتباط "دي-داي" بالبطولة العسكرية، لكنه كان أيضاً يوماً من الرعب الإنساني الهائل. فقد هبط المظليون الأمريكيون خلف خطوط العدو في ساعات الليل الأولى، فيما واجهت قوات الإنزال على الشواطئ نيراناً كثيفة من المدافع والرشاشات الألمانية.
ومن بين هؤلاء الجنود كان المظلي الأمريكي ريموند هوفمان، البالغ من العمر 22 عاماً آنذاك، الذي هبط في أحد المراعي الفرنسية قبل أن يكتشف أن الكائن الذي ظنه جندياً ألمانياً لم يكن سوى بقرة.
وبعد ساعات قليلة وجد نفسه وسط معركة شرسة تحت نيران متواصلة، ليواجه السؤال الذي راود كثيرين في ذلك اليوم: هل يقود الخوف إلى الفرار أم إلى القتال؟ وكانت الإجابة بالنسبة له ولآلاف الجنود الآخرين هي مواصلة التقدم رغم كل شيء.
حشد لوجستي غير مسبوق
سبق عملية الإنزال إعداد لوجستي هائل يعد من الأكبر في التاريخ العسكري. ففي جنوب إنجلترا، خزّن الحلفاء نحو 3500 طن من صابون الاستحمام وحده، إضافة إلى 60 مليون حصة غذائية معبأة في بالات ضخمة. كما أجرى المخططون العسكريون حسابات للاستهلاك اليومي لكل جندي بدقة شديدة، بما يشمل الوقود والذخيرة والطعام وحتى العلكة، بمتوسط بلغ 41.298 رطلاً يومياً للفرد.
وكان أيزنهاور يشرف على قوة قوامها ثلاثة ملايين مقاتل، ما جعل الساحل الإنجليزي قاعدة انطلاق عسكرية هائلة استعداداً للهجوم المرتقب.

وشارك نحو 160 ألف جندي في الموجة الهجومية الأولى على شواطئ نورماندي، لكن الثمن كان باهظاً. فقد بلغت خسائر الحلفاء خلال اليوم الأول نحو 12 ألف قتيل وجريح ومفقود، بينهم 8230 أمريكياً. كما قُتل نحو ثلاثة آلاف مدني فرنسي، معظمهم نتيجة القصف الذي نفذه الحلفاء أثناء العمليات.
وفي بعض المواقع، تسببت كثافة الإصابات في نفاد الإمدادات الطبية، ما دفع بعض الجنود إلى استخدام مشروب التفاح المحلي لتطهير الجروح. ومع ذلك، سرعان ما تبدلت مشاهد الحرب إلى احتفالات شعبية، حيث استقبل الفرنسيون القوات المحررة بالزهور والدموع بعد سنوات من الاحتلال.
قرار غيّر التاريخ
لم يكن نجاح العملية مضموناً. فقد عارض ونستون تشرشل لفترة طويلة فكرة الغزو المباشر عبر نورماندي، مفضلاً مواصلة التقدم عبر إيطاليا وجنوب أوروبا. لكن أيزنهاور أصر على تنفيذ العملية لتخفيف الضغط عن السوفيات وتسريع إنهاء الحرب.
واختير موعد الغزو بعناية ليتزامن مع اكتمال القمر وانخفاض المد، فيما ساعد سوء الأحوال الجوية على خداع الألمان الذين اعتقدوا أن الهجوم مستبعد. وفي ليلة التنفيذ، كتب أيزنهاور رسالة تحمل فيها كامل المسؤولية عن العملية في حال فشلها، مؤكداً أن أي خطأ سيكون خطأه وحده.
وقد تحول يوم نورماندي لاحقاً إلى رمز عالمي لانتصار الحرية على الاستبداد، وأحد أبرز الأحداث التي أسهمت في إسقاط ألمانيا النازية وتحرير أوروبا، ليبقى حتى اليوم شاهداً على التضحيات التي غيّرت مسار التاريخ الحديث.

