خلف الطائرات والمدافع.. نساء كتبن نصر أمريكا بالحرب العالمية الثانية
بينما أحيت الولايات المتحدة، يوم السبت، الذكرى الثانية والثمانين لإنزال النورماندي (D-Day)، اجتمعت مجموعة من النساء اللواتي أسهم عملهن خلال الحرب في دعم المجهود الحربي للحلفاء في مدينة نيو أورلينز، لاستذكار جيل يتناقص عدد أفراده بسرعة مع مرور الزمن.
واجتمعت أكثر من 30 ناجية من النساء المعروفات بلقب «روزي عاملة المسامير" (Rosie the Riveters) في المتحف الوطني للحرب العالمية الثانية بمدينة نيو أورلينز، حيث جرى تكريمهن تقديراً لدورهن في دعم الجهد الصناعي الحربي الذي ساند قوات الحلفاء خلال الحرب العالمية الثانية، بحسب موقع «فوكس نيوز».
وجاء على الموقع الإلكتروني للمتحف: «كل يوم تتلاشى ذكريات الحرب العالمية الثانية، بما تحمله من مشاهد وأصوات، ومن مآسٍ وانتصارات».

وجرى تكريم هؤلاء النساء خلال الفعالية السنوية لإحياء ذكرى إنزال النورماندي، التي تحمل اسم الدكتور هال باومغارتن، كما مُنحن جائزة «الروح الأمريكية» لعام 2026، وهي أرفع تكريم يقدمه المتحف.
وبحسب المتحف، تُمنح هذه الجائزة للأفراد والمؤسسات الذين «يجسدون أرقى صفات الروح الأمريكية ويلهمون الآخرين بهذه القيم».
وضمت قائمة المكرمين هذا العام أكثر من 30 امرأة من العاملات خلال زمن الحرب والمعروفات شعبياً باسم «روزي عاملة المسامير»، إلى جانب المؤلف الموسيقي الشهير جون ويليامز، ولاعب فريق نيو أورلينز ساينتس السابق والناشط في التوعية بمرض التصلب الجانبي الضموري (ALS)، ستيف جليسون.
جاء هذا التجمع بالتزامن مع إحياء الأمريكيين ذكرى عملية «أوفرلورد»، وهي عملية إنزال الحلفاء في فرنسا التي كانت تحت الاحتلال النازي في السادس من يونيو/حزيران عام 1944.
ووفقاً للمتحف، شارك في العملية أكثر من 150 ألف جندي، لتصبح واحدة من أكبر العمليات العسكرية البرمائية في التاريخ، وخطوة حاسمة نحو تحرير أوروبا الغربية.
وفي حين يُستذكر سنوياً الجنود الذين نزلوا على شواطئ نورماندي، أكد مسؤولو المتحف أن النساء على الجبهة الداخلية أدين دوراً محورياً في جعل انتصار الحلفاء ممكناً.
وخلال الحرب العالمية الثانية، دخلت ملايين النساء سوق العمل بعدما تسببت أزمة نقص العمالة في تغييرات واسعة داخل المصانع وأحواض بناء السفن والصناعات الدفاعية في مختلف أنحاء الولايات المتحدة.
وقال المتحف: «مع التحاق الرجال بالخدمة العسكرية، أدى النقص في العمالة داخل الصناعات المرتبطة بالدفاع إلى خلق فرص غير مسبوقة للنساء، وكثيرات منهن دخلن سوق العمل للمرة الأولى في حياتهن».
وتعلمت هؤلاء النساء مهارات تقنية متقدمة، من بينها اللحام، وتثبيت المسامير المعدنية، وتجميع الطائرات، وتصنيع الذخائر، فيما أسهمن في إنتاج المعدات والإمدادات اللازمة لقوات الحلفاء.
ومن بين المكرمات ديلفين كلابوت، البالغة من العمر 101 عام، والتي عملت في مصنع طائرات «جلين إل. مارتن» بمدينة بالتيمور خلال السنوات الأخيرة من الحرب.

ووفقاً لموقع «فوكس نيوز»، أوكلت إليها مهمة حماية مخططات الطائرات، إلى جانب الإشراف على فرق عمل كانت تبني طائرات مخصصة للمجهود الحربي، مشيرًا إلى أن كلابوت كانت تحتفظ بالمخططات بالقرب منها دائماً، لأن «الحرب كانت دائرة في نهاية المطاف».
وقالت كلابوت إنها ما زالت تتذكر سيرها داخل المصنع الضخم للطائرات بعد نشأتها في بلدة صغيرة لاستخراج الفحم بولاية بنسلفانيا، متسائلة: «في ماذا ورطت نفسي؟»
أما فرانشيسكا ماسترز، البالغة من العمر 104 أعوام، فقد عملت على قاذفات «بي-24 ليبراتور» في مصنع «ويلو ران» بولاية ميشيغان، وأشارت إلى أنها كانت تتقاضى دولاراً واحداً في الساعة، وكانت ترسل جزءاً كبيراً من راتبها إلى أسرتها لمساعدتها.
وقُتل شقيقها، سالفاتوري، لاحقاً خلال معركة الأردين الشهيرة (Battle of the Bulge). قائلة: "كان ذلك واجبنا".
وأضافت أنها كانت تشغّل معدات ثقيلة في مصنع القاذفات، وتشعر بالفخر لأنها تؤدي عملاً كان يُنظر إليه طويلاً على أنه حكر على الرجال.
كما استذكرت حجم العمليات الإنتاجية في مصنع "ويلو ران"، الذي أنشأته شركة فورد للسيارات وكان يُعد أكبر مصنع حربي في العالم خلال الحرب العالمية الثانية.
وقالت ليزا براون، ابنة فرجينيا روش، إحدى نساء "روزي عاملة المسامير"، لموقع NOLA.com: "لم يكنّ يعتقدن حقاً أنهن قمن بأي شيء استثنائي".
وأضافت أن والدتها كانت ترغب دائماً في العمل، وتركت الدراسة لأنها أرادت الإسهام في خدمة بلادها.
وخلال الفترة بين عامي 1942 و1944، كانت تقوم بلحام أجزاء الطائرات على خطوط التجميع، مكررة العملية يوماً بعد يوم بينما كانت قوات الحلفاء تخوض المعارك في الخارج.
وأكد المتحف الوطني للحرب العالمية الثانية أن إرث نساء "روزي" يتجاوز بكثير حدود الإنتاج الحربي.
وأوضح أن عملهن "أعاد تشكيل مكانة المرأة في المجتمع الأمريكي، وما زال يلهم النساء والفتيات حول العالم حتى اليوم".
وتأملت كلابوت الروابط التي تجمع العدد المتناقص من الناجيات من جيل "روزي". وقالت: "أينما ذهبت، إذا وجدتِ إحدى نساء روزي، فستشاهدين هذا"، قبل أن تمد يدها لتتشابك مع أيدي زميلاتها المكرمات.
ثم كررت العبارة التي أصبحت رمزاً لهؤلاء النساء اللواتي أسهمن في دعم الإنتاج الحربي الأمريكي خلال الحرب العالمية الثانية: «نستطيع أن نفعلها».