دفاتر من زمن الإبادة.. سيدة رواندا الأولى السابقة بقفص الاتهام مجددا
أغات هابياريمانا السيدة الأولى السابقة لرواندا تعود إلى قفص الاتهام، في خطوة تعيد إحياء قضية استمرت قرابة عقدين حول الإبادة الجماعية.
وفي عام 1994، شهدت رواندا إبادة جماعية نفذها متطرفون من عرقية الهوتو ضد أقلية التوتسي على مدى 100 يوم دامية، قُتل خلالها أكثر من 800 ألف رجل وامرأة وطفل، معظمهم من عرقية التوتسي.
وإلى جانب ضحايا التوتسي، قتل أيضا عدد من الهوتو المعتدلين، في إحدى فصول التاريخ الأكثر قتامة بأواخر القرن العشرين.
ومؤخرا، قررت محكمة الاستئناف في باريس إعادة فتح التحقيق بحق أغات هابياريمانا، المتهمة منذ سنوات بالتواطؤ في الإبادة الجماعية، في خطوة تعيد إحياء قضية قضائية استمرت قرابة عقدين.
وأصدرت محكمة الاستئناف في العاصمة الفرنسية باريس، الأربعاء الماضي، حكمًا يقضي بإلغاء قرار ألا وجه لإقامة الدعوى الذي كان قد صدر في 21 أغسطس/آب 2025 لصالح أغات هابياريمانا، أرملة الرئيس الرواندي الراحل جوفينال هابياريمانا.
وبموجب هذا القرار، يُعاد فتح التحقيق القضائي بحقها، في خطوة تعيد القضية إلى الواجهة بعد مسار قانوني استمر نحو 19 عامًا.
وتعد أغات هابياريمانا، البالغة من العمر 83 عامًا، من أبرز الشخصيات المرتبطة بالنظام الرواندي السابق، وهي مقيمة في فرنسا منذ سنوات.
وتواجه منذ عام 2007 اتهامات خطيرة تتعلق بـ"التواطؤ في الإبادة الجماعية وارتكاب جرائم ضد الإنسانية"، وهي تهم تُصنف ضمن الجرائم التي لا تسقط بالتقادم وفق القانون الدولي.
ماذا حدث؟
وترتبط هذه القضية بأحداث مفصلية شهدتها رواندا في عام 1994، حين قُتل الرئيس جوفينال هابياريمانا في 6 أبريل/نيسان من ذلك العام إثر إسقاط طائرته بصاروخين في أثناء اقترابها من مطار العاصمة كيغالي.
وشكل الحادث حينها الشرارة التي فجّرت الإبادة الجماعية ضد أقلية التوتسي، والتي أودت بحياة مئات الآلاف خلال فترة وجيزة.
ورغم مرور أكثر من ثلاثة عقود على تلك الأحداث، لا تزال ظروف إسقاط الطائرة محل جدل ولم تُحسم بشكل نهائي، ما يضفي مزيدًا من التعقيد على الملف القضائي المرتبط بها.
مسار قضائي
وبدأت الإجراءات القانونية ضد هابياريمانا رسميًا في فرنسا عام 2007، قبل أن تتقدم عدة منظمات غير حكومية بشكوى ضدها في عام 2008، من بينها "الاتحاد الدولي لحقوق الإنسان"، وجمعية "سورفي"، و"تجمع الأطراف المدنية من أجل رواندا".
وقد استندت هذه الشكاوى إلى اتهامات بدور محتمل لها في دعم أو تسهيل أعمال الإبادة.
ورأت محكمة الاستئناف أن الأدلة والوقائع تستوجب استئناف التحقيق بدلًا من إغلاق الملف، معتبرة أن القضية لم تُستكمل جميع جوانبها بعد.
ويعني هذا القرار عمليًا إعادة فتح التحقيقات القضائية، مع إمكانية توجيه اتهامات رسمية أو إحالة الملف إلى المحاكمة مستقبلًا.
موقف الدفاع
من جهته، انتقد محامي المتهمة، فيليب ميليا، القرار بشدة، واصفًا إياه بأنه "يوم مظلم للعدالة الفرنسية".
وأعرب عن أسفه لطول أمد الإجراءات القضائية، معتبرًا أن القرار قد تكون له أبعاد سياسية.
وأشار إلى أنه يهدف إلى الحفاظ على العلاقات الدبلوماسية بين فرنسا ورواندا.
ورغم إعادة فتح التحقيق، لا تزال أغات هابياريمانا حرة طليقة حتى الآن، دون فرض إجراءات احتجاز عليها، في انتظار ما ستسفر عنه المرحلة الجديدة من التحقيقات.
أبعاد القضية
وتعكس هذه القضية التعقيد الكبير في ملاحقة الجرائم الدولية، خاصة تلك المرتبطة بالإبادة الجماعية، حيث تتداخل العوامل القانونية مع السياسية والدبلوماسية.
كما تبرز أهمية مبدأ عدم تقادم الجرائم الخطيرة، الذي يسمح بإعادة فتح ملفات قديمة حتى بعد مرور سنوات طويلة.
ويمثل قرار محكمة الاستئناف نقطة تحول جديدة في مسار قضية طال انتظار حسمها، ويؤكد استمرار الجهود القضائية الدولية لمحاسبة المتورطين في جرائم الإبادة، مهما طال الزمن، وسط ترقب لما ستكشفه التحقيقات المقبلة.