اعتذار بزشكيان وصواريخ الحرس الثوري.. من يقرر الحرب في إيران؟
صراع وتناقض وفوضى تضرب هرم السلطة في إيران وصناعة القرار فيها، وسط هيمنة للحرس الثوري الإيراني على القرار العسكري.
وتجلت حالة الصراع وفوضى القرار بوضوح بعد إطلالة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، السبت، باعتذار لافت لدول المنطقة التي طالتها هجمات بالصواريخ والمسيرات الإيرانية، خلال الحرب الأمريكية الإسرائيلية على طهران.
وقال بزشكيان إن إيران «لا تكن أي عداوة لدول المنطقة»، لكن ما إن انتهى الرئيس الإيراني من تعهداته تلك وحتى تزامنا معها، صعّد الحرس الثوري مجددًا من هجماته بالصواريخ والمسيرات على دول خليجية.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، إذ خرج غلام حسين محسني إيجئي، رئيس السلطة القضائية وعضو مجلس القيادة المؤقت، بتصريحات تخالف أسف رئيس البلاد، حين أكد أن طهران ستواصل مهاجمة ما زعم أنها «نقاط العدوان» في دول الجوار، رغم تعهد تلك الدول قبل اندلاع الحرب بعدم السماح باستخدام أراضيها أو الأجواء لمهاجمة إيران.
ويدير مجلس القيادة المؤقت، بعد مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي، شؤون البلاد حاليًا، ويضم الرئيس مسعود بزشكيان، ورجل الدين المتشدد علي رضا أعرافي، ورئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي.
تمرد على الرئيس
وفي تعقيبه، قال الدكتور رمضان أبو جزر، مدير مركز بروكسل الدولي للأبحاث، في حديث خاص لـ«العين الإخبارية»، إن اعتذار بزشكيان لا يمكن اعتباره من الناحية العملية موقف إيران الرسمي الذي يُترجم على الأرض.
وأشار إلى أن الصواريخ والمسيّرات لا تزال تستهدف دول الخليج أثناء اعتذار الرئيس الإيراني وبعده، معتبراً أن منصب الرئيس ليس صاحب القرار الفعلي أو الملزم للأجهزة الإيرانية.
ورأى مدير مركز بروكسل الدولي للأبحاث أن اعتذار الرئيس الإيراني لا قيمة له في هذا التوقيت، قائلاً إن الأمر ليس مجرد انقسام، بل تمرد على السياسة التي يريدها الرئيس، وعلى مصلحة الشعب الإيراني الذي يحتاج إلى وقف هذه الحرب.
وأضاف: «إيران تُسرق الآن من قبل الحرس الثوري الإيراني الذي يمتلك الأسلحة والمسيرات ويستخدمها بعيداً عن الخط السياسي للدولة».
وتابع: «لا يوجد انسجام بين حديث الرئيس الإيراني اليوم وبين الأفعال التي يقوم بها الحرس الثوري الذي يدير المعركة الآن، ويمكن اعتبار الاعتذار محاولة لوضع قدم في اتجاه آخر، أو مسك العصا من المنتصف».
القرار بيد الحرس الثوري
من جهته، قال الخبير العسكري اللبناني العميد الركن المتقاعد ناهي جبران، في حديث لـ«العين الإخبارية»، إن من الواضح وجود أكثر من تيار داخل مركز اتخاذ القرار في إيران.
وأوضح أن التيار الأول سياسي دبلوماسي يتمثل برئيس الجمهورية وفريقه، فيما يتمثل التيار الثاني في الحرس الثوري الذي يتبع مباشرة للمرشد مع العقيدة الدينية الثورية، وهو التيار الغالب حالياً، خصوصاً في ظل حالة الحرب.
وأرجع الخبير اللبناني التناقض الذي ظهر اليوم، من خلال استهداف دول خليجية رغم اعتذار بزشكيان، إلى أن «القرار العسكري ليس بيد الرئيس الإيراني، بل بيد الحرس الثوري الذي يتحرك بدافع الانتقام وإطالة أمد الحرب، دون الأخذ بعين الاعتبار الكلفة اليومية من الأرواح والمعدات والخسائر الاقتصادية والبنيوية».
فوضى في القرار
بدوره، رأى المحلل السياسي الأردني مأمون المساد، في حديث خاص لـ«العين الإخبارية»، أن التناقض الظاهر بين الاعتذار السياسي والضربات الصاروخية لا يمكن تفسيره فقط باعتباره فوضى في القرار، بل هو في الغالب نتاج بنية السلطة المعقدة في إيران، حيث تتداخل المؤسسات المدنية مع المؤسسة الثورية العسكرية.
وأضاف: «في مثل هذه البنية يكون الرئيس أقل تأثيراً في الملفات العسكرية مقارنة بالمؤسسات المرتبطة بالأمن القومي، وهو ما يخلق فجوة بين الخطاب السياسي وما يحدث ميدانياً».
وأوضح المساد أن النظام في إيران يقوم على بنية مزدوجة تجمع بين مؤسسات الدولة الرسمية ومؤسسات الثورة، إذ يمثل الرئيس السلطة التنفيذية المنتخبة، لكنه ليس صاحب القرار الأعلى في القضايا الاستراتيجية، خصوصاً ما يتعلق بالأمن القومي والسياسة العسكرية.
وأكد أن القرار النهائي في هذه الملفات يرتبط بمؤسسات أعلى مثل مكتب المرشد الأعلى ومجلس الأمن القومي، إضافة إلى الدور الواسع للحرس الثوري الإيراني.
ولذلك، قد يصدر الرئيس خطاباً سياسياً يدعو للتهدئة، في الوقت الذي تتحرك فيه المؤسسات العسكرية وفق حسابات مختلفة، بحسب المساد، الذي أوضح أن الأمر «لا يعكس بالضرورة انقساماً حاداً، بقدر ما يعكس توزيعاً للأدوار داخل النظام».
وأضاف: «بينما تتولى القيادة العسكرية إرسال الرسائل الصلبة عبر القوة، يحاول الخطاب السياسي الإبقاء على قنوات التواصل مفتوحة مع دول الخليج».
وتابع: «في بعض الأحيان يكون الخطاب موجهاً لجمهورين مختلفين؛ للداخل الإيراني لإظهار القدرة على الرد العسكري وعدم التراجع، وللخارج، خصوصاً الخليج، كمحاولة لتخفيف التصعيد ومنع تحوله إلى مواجهة شاملة».
تصعيد بعد الاعتذار
وبعد اعتذار بزشكيان، تصاعدت وتيرة الهجمات الإيرانية على دول خليجية مساء اليوم، إذ أعلنت وزارة الدفاع القطرية تصدي القوات المسلحة لهجمة صاروخية استهدفت البلاد، حسبما ذكرت وكالة الأنباء القطرية «قنا».
وقبل ذلك، أكدت وزارة الداخلية القطرية أن مستوى التهديد الأمني مرتفع، داعية الجميع إلى البقاء في المنازل والابتعاد عن النوافذ والأماكن المكشوفة حفاظاً على السلامة العامة، في إشارة إلى قرب هجوم إيراني.
وفي السعودية، أعلن الركن تركي المالكي، المتحدث الرسمي لوزارة الدفاع السعودية، مساء السبت، اعتراض وتدمير ثماني مسيّرات بعد دخولها المجال الجوي للمملكة.
كما أعلن المالكي في بيان سابق اعتراض وتدمير مسيّرة شرق مدينة الرياض.
وفي البحرين، أعلنت وزارة الداخلية مساء السبت إصابة شخص واحد وتضرر عدد من المتاجر نتيجة شظايا صاروخ سقطت على طريق عام في المنامة.
وقالت الوزارة في بيان مقتضب إنه «جراء العدوان الإيراني الآثم اندلع حريق ووقعت تلفيات مادية في منزل ومبانٍ محيطة بالعاصمة المنامة، فيما باشرت فرق الدفاع المدني إجراءاتها للسيطرة على الحريق».
وتواصل طهران تنفيذ اعتداءات في المنطقة رداً على الضربات الأمريكية والإسرائيلية، وسط تصاعد المخاوف من اتساع نطاق المواجهة الإقليمية.