خلف جنازة خامنئي.. صراع نفوذ يهز أركان النظام الإيراني
بدت مراسم تشييع المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي وكأنها رسالة مدروسة لإظهار تماسك مؤسسات الدولة بعد شهور من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
وشهدت المراسم اصطفاف كبار المسؤولين وقادة الحرس الثوري والجيش إلى جانب الرئيس ورئيس البرلمان ورئيس السلطة القضائية في مشهد أرادت طهران من خلاله تأكيد استمرار مؤسسات الحكم ووحدة النظام.
إلا أن هذا المشهد، بحسب صحيفة نيويورك تايمز، لم ينجح في إخفاء الانقسامات المتفاقمة داخل النخبة الحاكمة، خاصة مع الغياب اللافت للمرشد الجديد مجتبى خامنئي، الذي لم يظهر علناً منذ توليه المنصب، الأمر الذي أثار تساؤلات واسعة حول طبيعة إدارة الدولة ومن يمسك فعلياً بخيوط القرار.
ورغم سعى منظمي الجنازة إلى تقديمها باعتبارها مناسبة لتجديد البيعة للقيادة الجديدة، كشفت الكواليس عن خلافات عميقة بين أجنحة السلطة بشأن مستقبل العلاقة مع الولايات المتحدة، حيث تحولت الخلافات إلى سجال علني غير مسبوق بين مسؤولين وسياسيين بارزين.

واتهم متشددون مؤيدي التفاوض بالتفريط والخيانة، بينما دعا آخرون إلى الانتقام بدلاً من العودة إلى طاولة المفاوضات، في حين فشلت محاولات المرشد الجديد لاحتواء هذه المواقف عبر بيانات مكتوبة في تهدئة الشارع المحافظ، الذي طالب بظهور علني له لإثبات حضوره في إدارة المرحلة.
وتشير معطيات من داخل المؤسسة الأمنية إلى أن غياب مجتبى خامنئي لم يكن خياراً سياسياً بقدر ما فرضته اعتبارات أمنية، إذ تخشى الأجهزة الإيرانية من تعرضه لمحاولة اغتيال خلال مراسم التشييع، وهو ما دفعها إلى رفض مشاركته في عدد من الفعاليات العامة، رغم رغبته في حضور مراسم الدفن بمدينة مشهد وإلقاء صلاة الجنازة على والده.
المحافظون ينقسمون.. والبراغماتيون يتقدمون نحو مركز القرار
لم تعد الانقسامات داخل إيران تدور بين التيارين المحافظ والإصلاحي كما كان الحال طوال العقود الماضية، بل انتقلت إلى قلب المعسكر المحافظ نفسه.
فبينما يدفع جناح براغماتي يضم الرئيس مسعود بيزشكيان ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وعدداً من كبار قادة الحرس الثوري نحو تسوية سياسية مع واشنطن تخفف الضغوط الاقتصادية وتمنع اندلاع مواجهة جديدة، يتمسك التيار المتشدد برفض أي تنازل يتعلق بالبرنامج النووي أو بالعلاقات مع الولايات المتحدة، معتبراً أن استمرار المواجهة هو الخيار الوحيد للحفاظ على ما يصفه بـ«مبادئ الثورة».
وتجلت حدة هذا الصراع في سلسلة من الأحداث العلنية، بينها قطع البث المباشر لرئيس البرلمان أثناء حديثه عن اتفاق وقف إطلاق النار، وتصاعد الحملات الإعلامية ضد فريق التفاوض، إضافة إلى تعرض وزير الخارجية عباس عراقجي لهتافات معادية خلال مشاركته في مراسم دينية بالعراق، فيما وصل الخطاب السياسي إلى حد تبادل الاتهامات بمحاولة تنفيذ "انقلاب" على المرشد الجديد.
ورغم الضجيج الإعلامي، تشير تقديرات مسؤولين إيرانيين إلى أن الكفة تميل حالياً لمصلحة التيار البراغماتي، الذي تمكن من تمرير قرارات استراتيجية، شملت قبول وقف إطلاق النار وإجراء اتصالات مباشرة مع الإدارة الأمريكية، وصولاً إلى المضي في مفاوضات أوسع قد تفتح الباب أمام تفاهمات تتجاوز الملف النووي إلى إعادة صياغة العلاقة بين طهران وواشنطن بعد عقود من القطيعة.
وفي المقابل، يرى المتشددون أن أي اتفاق جديد سيقود إلى تغييرات سياسية واقتصادية تمس بنية النظام، لذلك يواصلون ممارسة ضغوط مكثفة لإفشال المسار الدبلوماسي، مستفيدين من تعثر المفاوضات وتهديدات واشنطن بالعودة إلى الخيار العسكري.
ويؤكد مراقبون، أن مرحلة ما بعد الجنازة ستكون الاختبار الحقيقي لسلطة المرشد الجديد، إذ تنتظره قرارات حاسمة تتعلق بتعيين قيادات السلطة القضائية والإعلام الرسمي وقوات الباسيج ورئاسة مكتبه، وهي تعيينات ستكشف موازين القوى داخل النظام والجهة التي نجحت في كسب ثقته.
وحتى ذلك الحين، تبدو الصورة داخل إيران أقرب إلى هدنة مؤقتة فرضتها مراسم التشييع، فيما تستمر معركة النفوذ بصمت داخل مؤسسات الدولة، وسط ترقب لما إذا كان مجتبى خامنئي سيتمكن من فرض سلطته أو سيبقى الحكم قائماً على توازنات جماعية تفرضها مراكز القوة المتنافسة.