التصعيد مع إيران يفاقم فجوة الردع الأوروبية.. أزمة تسليح تلوح بالأفق
أعادت المواجهات المتجددة بين الولايات المتحدة وإيران، التي جاءت مقرونة بإعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إنهاء اتفاق وقف إطلاق النار، المنطقة إلى حافة حرب شاملة.
لكن تداعيات هذا التصعيد لا تقتصر على الشرق الأوسط، فبعد عودة ترامب من قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في تركيا، يستعد الحلفاء الأوروبيون، الذين ما زالوا يتعاملون مع انتقاداته اللاذعة، لمواجهة نقص متزايد في الحصول على الأسلحة الأمريكية، في وقت تشهد فيه القارة أيضًا تصاعدًا في الحرب الروسية الأوكرانية على حدود الحلف، بحسب مجلة «نيوزويك» الأمريكية.
ولطالما دعت الدول الأوروبية إلى تعزيز استقلالها الأمني، وزادت خلال السنوات الأخيرة إنفاقها الدفاعي لتوسيع قاعدتها الصناعية العسكرية، إلا أن خبراء يرون أن هذه الجهود لم تحقق المستوى المطلوب.
عامل الوقت يداهم أوروبا
ومع اندفاع الدول الأوروبية لتسريع أكبر حملة لإعادة التسلح في ظل اضطراب المشهد الدولي، يبدو أن عامل الوقت لا يعمل لصالحها.
وقال الخبير في الأمن الأوروبي والأستاذ المشارك في المدرسة الأوروبية للعلوم السياسية والاجتماعية بجامعة ليل الكاثوليكية، بيير هاروش، في حديث لمجلة نيوزويك: «أدرك الأوروبيون أنهم لم يعودوا قادرين على الاعتماد على الولايات المتحدة كما كان الحال في السابق، ولذلك يستثمرون، على المستويين الوطني والأوروبي، لبناء منظومة دفاع أوروبية ذات مصداقية».

وأضاف: «التحدي الرئيسي يكمن في المرحلة الانتقالية بين اليوم والوقت الذي تصبح فيه أوروبا جاهزة. والخطر يتمثل في أن تستغل روسيا هذه النافذة الزمنية، التي تراجعت خلالها التزامات الولايات المتحدة، بينما لم تكتمل بعد جاهزية الأوروبيين».
غياب التنسيق
يرى هاروش أن العقبة الأساسية أمام أوروبا تتمثل في غياب التنسيق، ففي الوقت الذي يسعى فيه الاتحاد الأوروبي إلى بناء قدراته العسكرية بالتوازي مع هياكل الناتو التي تقودها الولايات المتحدة، تحتفظ كل دولة عضو بأولوياتها ومصالحها الخاصة.
وقد شكّلت الفجوات في الإنفاق الدفاعي، إلى جانب ممارسات اعتبرها ترامب غير عادلة، محورًا رئيسيًا لانتقاداته المتكررة للحلفاء، وآخرها خلال قمة الناتو الأخيرة.
ورغم أن مسؤولي الاتحاد الأوروبي رحبوا بالاتفاق التجاري مع الولايات المتحدة باعتباره خطوة لتخفيف التوتر مع إدارة ترامب، فإنه في المقابل عزز المخاوف من تعميق الاعتماد الأوروبي على واشنطن، في وقت تتزايد فيه التساؤلات بشأن مدى التزام الولايات المتحدة طويل الأمد بأمن القارة.
في المقابل، دعا الأمين العام للناتو مارك روته إلى مزيد من التكامل بين القدرات العسكرية الأوروبية والأمريكية، بدلًا من السير في مسارات متوازية.
معادلة معقدة
ويعكس هذا المشهد مفارقة واضحة في سياسة البيت الأبيض، إذ يضغط ترامب على الحلفاء لشراء مزيد من الأسلحة الأمريكية، وفي الوقت نفسه يطالبهم بتحمل مسؤولية أكبر في الدفاع عن أنفسهم، وهو ما يضع أوروبا أمام معادلة معقدة.
وزادت الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، التي اندلعت في فبراير/شباط الماضي، من المخاوف الأوروبية، مع استنزاف مخزونات الأسلحة باهظة الكلفة وتراجع وتيرة الإمدادات العابرة للأطلسي.

وفي الوقت ذاته، تشهد الحرب الروسية الأوكرانية، وهي الأعنف في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، تصعيدًا جديدًا مع تكثيف الطرفين الهجمات بعيدة المدى. وفي حال امتد القتال إلى أراضي الناتو، كما هددت التطورات أكثر من مرة، فقد تجد أوروبا نفسها غير مستعدة لمواجهة هذا السيناريو، بحسب «نيوزيك».
استراتيجية صناعية دفاعية
وقال هاروش: «أي حرب مع روسيا ستتطلب إنتاجًا هائلًا للطائرات المسيّرة والصواريخ سنويًا، على غرار النموذج الأوكراني، وهو ما يستدعي استراتيجية صناعية دفاعية متماسكة على مستوى القارة».
وأضاف: «تدفع المفوضية الأوروبية في هذا الاتجاه، لكن الدول الأعضاء ما زالت متمسكة بصلاحياتها الوطنية»، محذرًا من أن «الصناعة الدفاعية الأوروبية، في حال اندلاع حرب واسعة النطاق، قد تعجز عن مجاراة القدرات الإنتاجية الروسية بسبب تشتتها».
فجوة الردع
ولا يتعلق الأمر فقط بالإنتاج العسكري، بل أيضًا بصورة الردع في نظر الخصوم.
وقالت النائبة الأولى لرئيس صندوق مارشال الألماني للولايات المتحدة والمسؤولة السابقة في إدارة الناتو بوزارة الخارجية الألمانية، كلوديا ميجور، إن أوروبا تواجه خطر ما وصفته بـ«فجوة الردع»، وهي الحالة التي يدرك فيها الخصوم وجود فجوة بين مصالح أوروبا وقدرتها أو استعدادها للدفاع عنها.
وأضافت لـ«نيوزويك»: «يمكن أن تنشأ هذه الفجوة تدريجيًا نتيجة الغموض، وتأخر ردود الفعل، وتضارب الرسائل، خاصة في أوقات الأزمات عندما تصبح المصداقية عاملًا حاسمًا. فالردع لا يقوم على القدرات العسكرية فقط، بل أيضًا على الصورة والانطباع».
وتساءلت: «هل يستطيع حلفاء الناتو إثبات أنهم سيقفون جميعًا إلى جانب بعضهم في حال وقوع أزمة أو هجوم؟ فإذا بدا الحلف منقسمًا وغير قادر على الدفاع عن أعضائه، فإن مصداقيته ستكون على المحك، ومعها أمن أوروبا».

وأسهم ترامب في إبراز هذه الانقسامات إلى الواجهة، إذ عبّر عن استيائه من الحلفاء الأوروبيين بسبب ما اعتبره نقصًا في دعمهم خلال الحرب مع إيران، ولوّح أكثر من مرة بإمكانية امتناع واشنطن عن مساعدتهم مستقبلًا إذا احتاجوا إليها.
وترى ميجور أن هذا الخلاف قد يشجع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي راهن طويلًا على الانقسامات داخل الناتو، على اختبار تماسك الحلف.
وقالت: «إذا اقتنعت روسيا بأن واشنطن قد تتردد في دعم الأوروبيين، وأن أوروبا لا تمتلك التماسك أو القدرات الكافية لتعويض ذلك، فقد تميل إلى اختبار قوة الردع والدفاع الأوروبي».
وحذرت من أن الوضع قد يصبح أكثر خطورة إذا «قلّصت الولايات المتحدة مساهماتها الأمنية في الناتو بصورة أكبر، وبطريقة مفاجئة وغير منسقة، ما سيجبر الأوروبيين على تسريع استعداداتهم بوتيرة تفوق قدراتهم».
«اشتروا أفضل... وأسرع»
من جانبه، قال الباحث البارز في مركز بروغل للأبحاث والمستشار السابق للمفوضية الأوروبية، جونترام وولف، إن «أوروبا ستحتاج حتمًا إلى تعزيز قاعدتها الصناعية الدفاعية المحلية، لأن الولايات المتحدة ستوجه جزءًا كبيرًا من طاقتها الإنتاجية لتلبية احتياجات حربها مع إيران وغيرها من الساحات».
لكنه أشار إلى وجود مؤشرات إيجابية، موضحًا أن «الإنتاج الأوروبي ارتفع بالفعل بصورة كبيرة، بل إن بعض أنظمة التسليح الأوروبية بات إنتاجها يفوق نظيره الأمريكي، كما ارتفعت طلبيات شراء الأسلحة الأوروبية بشكل غير مسبوق، ما يعني أن المشكلة لم تعد في حجم الإنفاق».
ورأى أن التحدي الحقيقي يكمن في امتلاك أوروبا قدرات تكنولوجية متقدمة تعمل بصورة مستقلة عن المظلة الأمنية الأمريكية.
وقال: «التحدي الأساسي يتمثل في تعزيز الاستقلال الرقمي الأوروبي، خصوصًا إذا تعطل الوصول إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي أو الاتصالات الأمريكية».
بدوره، أكد الباحث البارز في شؤون الطيران العسكري بالمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في بريطانيا، دوغلاس باري، أن القضية لا تتعلق بشراء مزيد من الأسلحة أو حتى شراء أسلحة أوروبية فقط، بل تتطلب أيضًا تحسين نوعية المشتريات وتسريعها وتغيير فلسفة التسلح بما يتناسب مع طبيعة الحروب الحديثة.
وأضاف: «المشهد الصناعي الدفاعي الأوروبي ما زال قائمًا في جوهره على اعتبارات وطنية، وليس على رؤية قارية موحدة، وهو ما يجعل المصالح الصناعية للدول تتعارض أحيانًا مع الكفاءة المطلوبة في تطوير وشراء الأسلحة».
وختم محذرًا من أن «عدم الوفاء بالتعهدات الدفاعية بصورة كافية سيقوض مصداقية أوروبا، ويضعف قدرتها على الردع».