مضيق هرمز.. مقامرة إيرانية بين ضغط التفاوض وخطر المواجهة (خاص)
تسلك إيران مسارا خطرا باستهداف السفن في مضيق هرمز، في محاولة يائسة لرسم خطوط تفاوض متقدمة، وتجاوز التنازلات التي قدمتها بمذكرة التفاهم.
ورغم المعارضة الدولية، تحاول إيران بشكل يائس، فرض حقائق على الأرض في مضيق هرمز، تصور الممر الدولي وكأنه "ورقة تفاوض"، لكن مساعيها تتحطم على صخرة الضربات الأمريكية في كل مرة.
ورغم معارضة واشنطن، تدعي إيران حقا لا تملكه، في فرض ما تسميه بدل خدمات في الممر المائي، وقد هاجمت ما لا يقل عن ثلاث سفن تجارية الثلاثاء، وفق الجيش الأمريكي.
وردت الولايات المتحدة بشن ضربات قوية ضد 80 و90 هدفا على الترتيب يومي الأربعاء والخميس، وذلك بعدما صرح الرئيس دونالد ترامب في وقت سابق بأن اتفاق وقف إطلاق النار قد انتهى.
وأدت مذكرة التفاهم الموقعة في 17 يونيو/حزيران بين طهران وواشنطن إلى إعادة فتح المضيق.
مع ذلك، تسعى إيران، على غير الواقع، لإثبات قدرتها على التحكم بمجريات الأمور في هرمز ومعارضتها لعمليات المواكبة البحرية الأمريكية، وفق ما ذكرت نغار مرتضوي، من مركز الأبحاث الأمريكي "مركز السياسة الدولية"، لـ"فرانس برس".
وقالت مرتضوي: "تحاول إيران تجنب حرب شاملة أخرى، لكنها تعتقد أيضا أن عدم الرد ينطوي على مخاطر؛ إذ قد يُفسَّر ذلك على أنه ضعف ويفتح الباب لمزيد من الضغوط"، لذلك تراهن على ما يمكن تسميته بـ"التصعيد المحدود".
لعب بالنار
غير أن استراتيجية طهران هذه تنطوي على مخاطر. فقد سبق لدونالد ترامب أن اتخذ قرارات غير متوقعة، وهدد بمحو "الحضارة" الإيرانية بأكملها. كما يمكن لترامب أن يعطي الضوء الأخضر لحليفه الإسرائيلي لشن هجمات جديدة، وفق "فرانس برس".
وأظهرت الضربات الأمريكية خلال اليومين الماضيين، أن واشنطن لن تسمح لطهران بأي نافذة للمناورة في هرمز.
بل إن الضربات سبقها تصريحات للجنرال الأمريكي المتقاعد جاك كين، قال فيها إن على الولايات المتحدة «أن تمنع» إيران من أي محاولة لإظهار سيطرة على مضيق هرمز.
وتابع كين في مقابلة مع فوكس نيوز: «بالتأكيد، إذا شنت إيران أي هجوم كبير، فهذا أمر من شأنه أن يعيدنا إلى عمليات قتالية واسعة النطاق»، مضيفا "علينا أن نوقف" أي محاولة لإظهار سيطرة على المضيق.
وأضاف كين أنه إذا هاجمت إيران المزيد من سفن الشحن داخل مضيق هرمز، فسيؤدي ذلك إلى ضربات محدودة أو "الحدث الكبير الآخر".
ويقصد كين بذلك "عمليات قتالية واسعة النطاق، نابعة من التأكد أن إيران لن تعقد أبدًا اتفاقًا ذا أهمية ويحقق أهداف إدارة دونالد ترامب».
ويرى الخبير الاستراتيجي والمحلل السياسي الأردني، منذر الحوارات أن "إيران تفسر بشكل مبالغ فيه البند 5 حول تسهيل حركة المرور بمضيق هرمز، لذلك قامت بالاعتداء على السفن العابرة كفرض أمر واقع مستقبلي".
وتابع في حديثه لـ"العين الإخبارية": "هذا لن تقبله الولايات المتحدة"، موضحا "في الماضي كان هناك شكل ما بعد الهدنة: عندما تقوم إيران بالتضييق على الحركة في المضيق ترد الولايات المتحدة بشكل محدود على إيران، الآن هناك تغيير لقواعد اللعبة.. عملية الضغط بالنار، وتصحيح مسار التفاوض بالقوة العسكرية".
وأضاف: "اعتدت إيران على ثلاث سفن عابرة للمضيق، هذا أعطى مؤشرا للولايات المتحدة إلى أن هناك خرقا لمذكرة التفاهم، وبالتالي قامت بالرد في الداخل الإيراني وهذا تغيير لقواعد اللعبة المتبعة لإعادة مسار التفاوض إلى الطريق الذي تريده الولايات المتحدة".
ما يحدث هو "تصعيد أكثر من كونه عودة للحرب، والمقصود هو تصحيح مسار التفاوض والعودة للمسار الذي تريده واشنطن، دون مبالغة في تفسير بنود مذكرة التفاهم"، وفق الحوارات.
الحوارات قال أيضا، "ما تقوم به الولايات المتحدة، هو مفاوضات بالنار، وحتى الآن كلا الطرفين لا تريد التوجه لمواجهة شاملة"، متابعا "نتوقع أن تتراجع إيران في موقفها حول المضيق، لأننا عهدنا هذا الأمر".
ضربة ذاتية
من جانب آخر، تهدد تحركات إيران اليائسة في مضيق هرمز، بتوجيه ضربة ذاتية للنظام الإيراني ذاته.
ولا يزال مضيق هرمز عنصراً لا غنى عنه لأسواق الطاقة العالمية. حيث يمر عبر مضيق هرمز ما يقارب 20–21 مليون برميل يومياً من النفط الخام والسوائل البترولية، وهو ما يمثل حوالي 20–25% من الاستهلاك العالمي للبترول، وما يقارب ثلث تجارة النفط المنقولة بحراً.
ومع ذلك، غالبًا ما تُبالغ إيران في تقدير القيمة الاستراتيجية للمضيق في سياق النفوذ. ففي حين أن تعطيل حركة المرور فيه سيؤدي بلا شك إلى صدمة اقتصادية فورية، فإنه لن يخلق ميزة مستقرة أو غير متكافئة لصالح إيران. بل على العكس من ذلك: ستقع تكاليف الإغلاق المستمر بشكل غير متناسب على عاتق طهران، وفق تقارير ودراسات حديثة.
إذ يعتمد الاقتصاد الإيراني بشكل كبير على الصادرات البحرية التي تمر عبر المضيق. ولا تزال البدائل التصديرية خارج المضيق محدودة للغاية. فالمحطات مثل جاسك، المصممة لتجاوز مضيق هرمز، لا تتعامل حالياً إلا مع جزء ضئيل من طاقتها الاستيعابية (تُقدَّر بأقل من 300,000 برميل يومياً في ظل القيود التشغيلية)، مما يجعل الجزء الأكبر من تدفقات النفط الإيراني يعتمد هيكلياً على المضيق.
وعلى عكس الأسواق العالمية، التي يمكنها الاعتماد على سلاسل إمداد متنوعة واحتياطيات استراتيجية، يتسم الاقتصاد الإيراني بالجمود الهيكلي.
كما تقلل العقوبات، ومحدودية احتياطيات النقد الأجنبي، وقصور المؤسسات من قدرته على استيعاب الصدمات الخارجية المطولة.
ونتيجة لذلك، من المرجح أن يؤدي أي تعطل مطول إلى تفاقم التضخم، وعدم الاستقرار المالي، والتوتر السياسي الداخلي، ما يمثل في النهاية ضغوطا كبيرة على النظام.