بين التصعيد والتهدئة.. كيف سيتعامل ترامب مع إيران؟

تواجه العلاقات الأمريكية الإيرانية منعطفاً حاسماً يعكس تناقضات السياسة الخارجية لإدارة الرئيس دونالد ترامب، التي تجمع بين لغة التهديد والمفاوضات غير المباشرة.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، التقى إيلون ماسك بمندوب إيران لدى الأمم المتحدة، سعيد إيرواني، ما أثار تكهنات بأن ترامب قد يتبنى نهجًا جديدًا أكثر عقلانية تجاه إيران، وفقا لموقع responsiblestatecraft.
وتكررت هذه التكهنات عندما قرر ترامب، في منتصف يناير/كانون الثاني، سحب الحماية الأمنية من وزير الخارجية الأسبق مايك بومبيو والمبعوث الأمريكي السابق لإيران بريان هوك، وهما من المهندسين الرئيسيين لسياسة "الضغط الأقصى" ضد إيران خلال ولايته الأولى.
كما أثار قراره بإقالة هوك من فريقه الانتقالي بعد انتقاده لإدارة بايدن تساؤلات في طهران حول ما إذا كان ترامب يرسل إشارات استعداد للحوار الدبلوماسي مع إيران، رغم عدم وضوح ما إذا كانت هذه التحركات تعكس تغييرًا في التكتيكات أم في الاستراتيجية بشكل عام.
رسالة غامضة
وفي 5 مارس/آذار، أرسل ترامب رسالة إلى المرشد الإيراني علي خامنئي، دون الكشف عن مضمونها، لكنه لمح إليها في تصريحات بالبيت الأبيض في اليوم التالي قائلًا: "أفضل التفاوض على اتفاق سلام... لكن يمكننا عقد صفقة... بنفس جودة تحقيق النصر العسكري". وبعد يومين، صرح في مقابلة مع فوكس نيوز بأنه كتب للإيرانيين قائلًا إنه يأمل في التفاوض، لكنه حذر من أن البديل العسكري سيكون "أمرًا فظيعًا".
يشير هذا التصريح إلى أن ترامب يطالب إيران بتفكيك منشآتها النووية بالكامل، وهو مطلب غير مقبول لأي زعيم إيراني. وقد أكد خامنئي ووزير خارجيته عباس عراقجي أن إيران لن تخضع للإنذارات الأمريكية، ما يجعل الصدام العسكري احتمالًا واردًا إذا كان خطاب ترامب يحمل طابع "خذها أو اتركها".
التعزيز العسكري
ووفقاً لمجلة نيوزويك، شهدت المنطقة وصول حاملة الطائرات الأمريكية "يو إس إس كارل فينسون" إلى الشرق الأوسط، لتنضم إلى نظيرتها "يو إس إس هاري إس ترومان"، مما يضاعف القدرة الهجومية الأمريكية قرب السواحل الإيرانية.
وتشير تقارير استخباراتية إلى احتمال إرسال حاملة ثالثة، "يو إس إس جيرالد فورد"، في خطوة تصعيدية إضافية.
كما كشفت صور الأقمار الصناعية عن تمركز 6 قاذفات من طراز B-2 سبيريت - الأكثر تطوراً في الأسطول الجوي الأمريكي – في قاعدة دييجو غارسيا بالمحيط الهندي، مدعومة بطائرات تزويد وقود لضمان قدرتها على تنفيذ ضربات بعيدة المدى ضد منشآت إيرانية تحت الأرض.
إسرائيل: حليف غير مستقر
في الوقت ذاته، ازدادت المعادلة تعقيداً مع الدور الإسرائيلي، حيث يسعى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى توظيف التصعيد الأمريكي لتحقيق مكاسب سياسية وعسكرية، خاصة بعد تصريحات ترامب المثيرة حول "تهجير الفلسطينيين من غزة"، والتي رأى فيها نتنياهو فرصة لـ "إعادة تشكيل الخريطة الديموغرافية".
رغم ذلك، فإن شن هجوم على إيران سيكون أمرًا صعبًا، خاصة مع تصاعد الاحتجاجات داخل إسرائيل بسبب الحرب المستمرة في غزة. فقد حذر الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ من "أزمة دستورية قد تؤدي إلى انقسام داخلي عميق"، وهو تصريح أثار ردود فعل غاضبة من حزب الليكود الذي اتهمه بأنه "جزء من الدولة العميقة".
ومع تفاقم التوترات الداخلية وتوسع العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة ولبنان وسوريا، قد يجد نتنياهو نفسه في وضع لا يستطيع السيطرة عليه، خاصة إذا أدى ذلك إلى مقتل الرهائن الإسرائيليين المحتجزين لدى "حماس" أو نشوب مواجهة متعددة الجبهات مع إيران ووكلائها في المنطقة.
تهدئة الأوضاع
وفي محاولة لتخفيف حدة التوتر، خرج مبعوث ترامب للشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، في 21 مارس/آذار في مقابلة مع تاكر كارلسون، قائلًا إن خطاب ترامب إلى خامنئي لم يكن إنذارًا، وإنه يسعى لاتفاق نووي يتضمن "التحقق"، مشيرًا إلى أن الخيار العسكري ليس "بديلًا جيدًا".
ترامب بين التصعيد والتهدئة
لكن رغم جهود مستشاريه، يبقى ترامب عاملًا غير متوقع. فإذا انفجر الوضع في الشرق الأوسط، فقد يطلق تصريحات جديدة تزيد من حالة الارتباك بين القادة في واشنطن وطهران وتل أبيب.
ويبدو أن المعركة حول كيفية تفسير تصريحات ترامب مستمرة ليس فقط في واشنطن، بل أيضًا في طهران. فبينما تهدد بعض الأصوات في إيران بردود عنيفة، لا تزال الحكومة تلمح إلى إمكانية إجراء محادثات غير مباشرة.
الدبلوماسية والمواجهة
رغم ضبابية المشهد، قد تنجح الوساطات العُمانية أو الأوروبية في إعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات، خاصة مع حاجة ترامب لإنجاز خارجي.
أما الخيار الأكثر خطورة، فهو الضربات الأمريكية المحدودة – كتلك التي تستهدف منشآت نووية – التي قد تدفع إيران للقيام برد عنيف عبر وكلائها في المنطقة، مما يشعل حرباً إقليمية واسعة.
كما قد تلجأ واشنطن إلى فرض عقوبات أكثر صرامة أو شن هجمات إلكترونية لتجنب المواجهة المباشرة، لكن هذا الخيار يبقى هشاً في ظل التصريحات الأمريكية المتزايدة العدائية.
في النهاية، تبقى الأسابيع المقبلة حاسمة في تحديد مسار العلاقة بين البلدين، سواء نحو الدبلوماسية أو نحو مواجهة قد يكون ثمنها باهظاً على المنطقة والعالم.
aXA6IDMuMTIuMTExLjE5MyA= جزيرة ام اند امز