فصائل موالية لإيران.. العراق على خط المواجهة مجددا
مع اتساع رقعة التوتر في الشرق الأوسط، يبدو أن العراق يعود تدريجيًا إلى واجهة الصراع غير المباشر بين أمريكا وإيران.
يأتي ذلك في ظل تحوله مجددا إلى مسرح عمليات تستهدف فيه القوات الأمريكية الفصائل المسلحة الموالية لطهران، في مشهد يعيد إلى الأذهان سنوات المواجهة العنيفة التي أعقبت الغزو الأمريكي عام 2003.
وبحسب صحيفة «وول ستريت جورنال»، فإنه فمنذ اندلاع التصعيد الإقليمي الأخير، حاولت فصائل مسلحة عراقية تنفيذ عشرات الهجمات المحدودة باستخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ، في ما اعتبره مراقبون استعراضًا لدعمها لإيران.
ووفق الصحيفة، شملت الهجمات استهداف قاعدة عسكرية أمريكية وقنصلية أمريكية في شمال العراق، إضافة إلى إطلاق صواريخ باتجاه السفارة الأمريكية في بغداد ومبنى تابع لوزارة الخارجية داخل مطار بغداد الدولي.
في المقابل، أعلنت الولايات المتحدة أنها بدأت تنفيذ عمليات عسكرية تستهدف الفصائل المرتبطة بإيران داخل العراق، في اعتراف ضمني بأن المواجهة مع طهران امتدت إلى الأراضي العراقية.
والتطور يعيد القوات الأمريكية إلى ساحة قتال أمضت فيها سنوات طويلة في مواجهة التمرد المسلح بعد الغزو الذي أطاح بالرئيس العراقي الراحل صدام حسين.
كما يمثل هذا التوجه تحولًا ملحوظًا في سياسة وزارة الدفاع الأمريكية، والتي كانت قد تجنبت في السنوات الأخيرة استهداف الفصائل العراقية بشكل مباشر، في إطار مساعيها لتقليص وجودها العسكري تدريجيًا بالبلاد.
استهداف معاقل الفصائل
بحسب مسؤولين عراقيين، شنت طائرات حربية أمريكية عدة غارات على مواقع يعتقد أنها تابعة لفصائل مسلحة، شملت قواعد في منطقتي جرف الصخر جنوب بغداد، والقائم على الحدود العراقية السورية.
وقد استُخدمت هاتان المنطقتان لسنوات كمخازن للأسلحة التي توفرها إيران، وكمنصات لإطلاق هجمات ضد قواعد أمريكية في سوريا والأردن.
وفي الرابع من مارس/آذار الجاري، أسفرت غارة جوية في محافظة بابل عن مقتل القيادي في كتائب حزب الله، أبوالحسن الفريجي، إلى جانب عنصر آخر من الفصيل، وهو إحدى أبرز الجماعات المسلحة العراقية المصنفة إرهابية من قبل الولايات المتحدة.
غير أن المتحدث باسم القيادة المركزية الأمريكية أكد أنه لا يملك معلومات تؤكد أن القوات الأمريكية هي التي نفذت تلك الضربة تحديدًا.
تصفية حسابات قديمة
يرى باحثون أن الضربات الأخيرة لا تقتصر على الرد على الهجمات الحالية، بل تمثل أيضًا محاولة أمريكية لإضعاف البنية العسكرية للفصائل الموالية لإيران داخل العراق.
ويقول الباحث تامر بدوي من معهد الخدمات الملكية في لندن إن العمليات العسكرية تهدف إلى "تقويض البنية التحتية المدعومة من إيران في العراق".
وأشار إلى تسجيل ما لا يقل عن عشرين هجومًا على مواقع الفصائل منذ بداية التصعيد الإقليمي، يُعتقد أن القوات الأمريكية أو حلفاءها يقفون وراءها.
ورغم أن معظم الهجمات التي نفذتها الفصائل لم تتسبب إلا بأضرار محدودة، فإن محللين يرون أن البنتاغون يسعى إلى إلحاق خسائر أكبر بهذه الجماعات، بما يفتح جبهة إضافية في المواجهة مع إيران.
بين نفوذين
لطالما كان العراق ساحة تنافس بين واشنطن وطهران على النفوذ السياسي والعسكري، وفق الصحيفة.
فإيران، باعتبارها جارًا مباشرًا ودولة ذات أغلبية شيعية، تمتلك تأثيرًا واسعًا داخل الفصائل السياسية والعسكرية العراقية، في حين لا تزال الولايات المتحدة تحتفظ بنفوذ مهم بفضل حضورها العسكري وقدراتها الاقتصادية.
وفي هذا السياق، تشير تقارير إلى أن مسؤولين في إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حاولوا خلال الأسابيع الأخيرة منع عودة رئيس الوزراء العراقي الأسبق نوري المالكي إلى المشهد السياسي، نظرًا إلى اعتباره مقربًا بشدة من طهران والفصائل المسلحة.
جذور
نشأت معظم الجماعات المسلحة العراقية في أعقاب الغزو الأمريكي عام 2003، حيث تشكلت في البداية للدفاع عن المناطق الشيعية في مواجهة الجماعات السنية المتشددة، قبل أن تتحول لاحقًا إلى قوى تقاتل القوات الأمريكية التي اعتبرتها "قوات احتلال".
ودعمت إيران العديد من هذه الفصائل بالأسلحة والتدريب، بما في ذلك المتفجرات المضادة للدروع التي تسببت في مقتل وإصابة مئات الجنود الأمريكيين خلال ذروة الحرب، وفي المقابل، دعمت واشنطن بعض الفصائل الأخرى في إطار الصراع المعقد داخل البلاد.
ورغم تقليص الوجود العسكري الأمريكي في العراق خلال السنوات الأخيرة، لا يزال لدى البنتاغون عدد غير معلن من القوات المنتشرة في البلاد، خصوصًا في قواعد شمال العراق.
وقد شهدت المناطق الشمالية تصاعدًا في نشاط الميليشيات منذ بداية التصعيد الإقليمي، بما في ذلك هجمات استهدفت منشآت الطاقة والقاعدة الأمريكية في مدينة إربيل عاصمة إقليم كردستان، حيث يتمركز الجزء الأكبر من القوات الأمريكية المتبقية.
ومع استمرار التصعيد، يحذر محللون من أن إطالة أمد المواجهة قد يعيد العراق إلى دائرة التوترات الطائفية والاقتصادية، خصوصًا مع تضرر صادراته النفطية وتزايد الضغوط الداخلية.
وبينما تؤكد واشنطن أن عملياتها الحالية لا تمثل عودة إلى حرب مفتوحة، يبقى العراق -كما كان طوال العقدين الماضيين- ساحة محتملة لتصفية الحسابات بين القوى الإقليمية والدولية.