فيتو ترامب ضد المالكي.. خبراء عراقيون يكشفون لـ«العين الإخبارية» السيناريوهات المتوقعة
أدخلت تغريدة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الرافضة لترشيح نوري المالكي لرئاسة الوزراء، العملية السياسية بالعراق مرحلة غير مسبوقة من الإرباك.
تغريدة ترامب تحولت من موقف خارجي عابر إلى عامل ضغط مباشر شلّ مفاوضات الإطار التنسيقي لتسمية الوزراء ووضعه أمام خيارات وصفها قادة داخله بـ"الصعبة والمصيرية".
وبحسب مصدر في الإطار التنسيقي (الشيعي) تحدث لـ"العين الإخبارية"، فإن تغريدة ترامب "أصابت المفاوضات بالشلل"، مؤكداً أن المؤيدين لترشيح المالكي "لا يزالون تحت تأثير الصدمة"، وأن الحديث عن قرارات حاسمة في هذا التوقيت "سابق لأوانه".
وذهب المصدر أبعد من ذلك بالقول إن التغريدة كانت "بمثابة رصاصة الرحمة ضد الولاية الثالثة للمالكي"، وإن المضي بالترشيح بعد هذا الموقف الأمريكي "يشبه الانتحار السياسي".
ترامب: لا دعم لحكومة يقودها المالكي
ترامب فتح النار بشكل مباشر على المالكي، محذراً من أن إعادة تنصيبه تمثل "خياراً سيئاً للغاية" للعراق، ومشدداً على أن واشنطن "لن تقدم أي دعم" لبغداد في حال عاد المالكي إلى رئاسة الحكومة.
وأضاف أن العراق خلال فترة حكمه "انحدر إلى الفقر والفوضى الشاملة"، وأن تكرار التجربة سيحرم البلاد من أي فرصة "للنجاح أو الازدهار أو الحرية".
هذا الموقف لم يأتِ معزولاً، إذ أعاد المبعوث الأمريكي إلى العراق مارك سافايا نشر تغريدة ترامب، مرفقاً إياها بتعليق لافت: "لنجعل العراق عظيماً مرة أخرى"، في إشارة فسّرها مراقبون على أنها تبنٍ سياسي واضح للموقف الأمريكي الرافض للمالكي.
ضغوط سياسية ورسائل غير معلنة
تعقيبا على ذلك، قال الكاتب والمحلل السياسي جعفر حسن الونان لـ"العين الإخبارية"، إن "رسالة وصلت قبل أيام للإطار عبر زعيم شيعي برفض المالكي، وأُبلغ بها لاحقاً مسؤولون أمريكيون، بينهم ماركو روبيو وزير الخارجية"، معتبراً أن الإطار "تمادى في المضي بخيار لا يحظى بقبول خارجي، ما دفع واشنطن لاستخدام سلاح ترامب وطريقته في الضغط".
ويرى الونان أن الإشكالية لا تتعلق بشخص المالكي بقدر ما تتعلق بعجز الإطار عن إدارة التفاوض مع واشنطن، متسائلاً: "هل يجيد مسؤولو الإطار التنسيقي الحديث مع أمريكا أم ينتظرون كل شيء عبر الإعلام؟ أم أن الإطار يضرب بعضه من الداخل؟".
انقسام داخل الإطار
سياسياً، أشار زعيم تحالف "تصميم" عضو الإطار التنسيقي النائب عامر الفائز إلى أن الإطار يتجه لعقد اجتماع طارئ عقب موقف ترامب، في محاولة لاحتواء تداعياته.
وأوضح الفائز لـ"العين الإخبارية"، أن الخلاف الحقيقي داخل الإطار، بما في ذلك تعطيل جلسة انتخاب رئيس الجمهورية، "يتعلق بالمالكي"، لافتاً إلى أن "لدى قادة الإطار آراء مغايرة في الباطن".
وتعكس هذه التصريحات حجم الانقسام داخل التحالف الشيعي الحاكم، بين جناح يرى في التراجع عن ترشيح المالكي رضوخاً غير مقبول للضغط الأمريكي، وآخر يعتبر الإصرار عليه مغامرة قد تجرّ البلاد إلى عزلة سياسية واقتصادية خطيرة.
هل يتراجع الإطار؟
خبراء ومحللون يرون أن الإطار بات أمام ثلاثة سيناريوهات رئيسية، حيث يؤكد المحلل السياسي أنور محسن المذحجي لـ"العين الإخبارية"، أن "الإصرار على ترشيح المالكي، وهو خيار محفوف بالمخاطر، قد يؤدي إلى تصعيد أمريكي سياسي واقتصادي، وربما فتح ملفات فساد وعقوبات تطول شخصيات نافذة".
وأضاف أن "التراجع الهادئ وتقديم مرشح توافقي، يحظى بقبول داخلي ولا يواجه فيتو أمريكياً، وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً"، مشيرا إلى أن "المماطلة وكسب الوقت، بانتظار تغير المعطيات أو تخفيف حدة الموقف الأمريكي، وهو خيار يهدد بإطالة أمد الفراغ السياسي".
واعتبر أن تصريحات سافايا الأخيرة حول امتلاك واشنطن "فهما شاملا للأفراد المتورطين بالفساد" والعمل مع وزارة الخزانة الأمريكية لملاحقتهم، تمثل رسالة ضغط إضافية للإطار، مفادها أن كلفة تجاهل الموقف الأمريكي ستكون مرتفعة.
من جانبه، قال عضو مركز النبأ للدراسات، سليم الحلفي، لـ"العين الإخبارية"، إن "المالكي سوف ينسحب طوعاً كما حصل ذلك مع رئيس الوزراء الأسبق وزعيم حزب الدعوة السابق إبراهيم الجعفري".
وعن ربط تغريدة ترامب بالموقف الداخلي لبعض قوى الإطار الشيعي والقوى السياسية السنية الرافضة لتولي المالكي رئاسة الوزراء، قال الحلفي: "نعم هناك لوبيات كانت تعمل خلف الكواليس منذ إعلان ترشيح المالكي مساء السبت الماضي بهدف منه من الوصول إلى السلطة".
وكانت بعض القوى السياسية الشيعية من بينها حركة عصائب أهل الحق بزعامة قيس الخزعلي (30 مقعدا)، وتيار الحكمة بزعامة عمار الحكيم (18 مقعدا)، وحركة خدمات (9 مقاعد) بزعامة شبل الزيدي بالإضافة إلى رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي رافضة لترشيح المالكي.
وشاطر هذا الموقف زعيم حزب تقدم (أكبر الأحزاب السنية) محمد الحلبوسي (33 مقعدا)، وحزب السيادة (9 مقاعد) بزعامة خميس الخنجر، بالإضافة إلى أحزاب سياسية صغيرة تمتلك عدداً من المقاعد.
وكان مجلس النواب العراقي قرر الثلاثاء تأجيل جلسة كانت مقررة لانتخاب رئيس الجمهورية (المكون الكردي) بهدف تكليف مرشح الكتلة الأكبر (الإطار التنسيقي) نوري المالكي بتشكيل الحكومة.
وقال رئيس مجلس النواب هيبت الحلبوسي إنه "تسلّم طلباً من الحزب الديمقراطي الكردستاني وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني لتأجيل جلسة الثلاثاء، والمخصَّصة لانتخاب رئيس الجمهورية"، مشيراً الى أن "طلب التأجيل يهدف لإعطاء مزيد من الوقت للتفاهم والاتفاق بين الحزبين".
وينصّ الدستور العراقي على أن انتخاب الرئيس يجب أن يتم خلال مدة لا تتجاوز 30 يوماً من تاريخ انعقاد الجلسة الأولى لمجلس النواب، وباحتساب هذه المدة فإن السقف الزمني لانتخاب رئيس الجمهورية سيكون يوم الخميس المقبل في 29 يناير/كانون الثاني الجاري.
بين السيادة والواقعية السياسية
في المقابل، شدد عضو مجلس النواب العراقي "قسطل العجل" على ضرورة ألا تهتز ثقة الإطار بنفسه، مؤكداً أن القضية "ليست شخصاً بل عملية سياسية ودور المكون الأكبر (الشيعي)"، داعياً إلى تقييم الوضع وتقديم خيارات متعددة "من دون السماح للمتصيدين باستغلال الأزمة".
بدوره، انتقد السياسي العراقي المستقل عزت الشابندر ما وصفه بتدخلات خارجية في الشأن الداخلي العراقي، محذراً من تداعياتها على استقلال القرار الوطني.
وقال الشابندر في تغريدة على منصة «إكس» إن العراقيين "يرفضون بقوة التدخل الإيراني في الشأن الداخلي"، متسائلاً في الوقت ذاته: "هل هذا الرفض يستوجب القبول بالتدخل الأمريكي في الشأن الداخلي العراقي؟".
لكن قراءة المشهد تشير إلى أن الإطار التنسيقي، وإن كان يرفع شعار القرار الوطني المستقل، يجد نفسه اليوم أمام اختبار صعب بين الحفاظ على تماسكه الداخلي، وتجنب صدام مفتوح مع واشنطن قد ينعكس سلباً على الاستقرار السياسي والاقتصادي للعراق.
وبينما لم يُحسم القرار بعد، يبدو أن تغريدة ترامب لم تكن مجرد موقف إعلامي، بل نقطة تحوّل قد تعيد رسم مسار تشكيل الحكومة، وتفرض على الإطار مراجعة حساباته، سواء أراد ذلك أم لا.