العراق وحصر السلاح.. فصائل خارج المسار ودعم الصدر يعزز رهان الزيدي (خاص)
في بلدٍ ارتبط فيه السلاح لعقود بمعادلات النفوذ والسلطة، يخوض العراق اختباراً حاسماً، فبينما يراهن رئيس الوزراء علي الزيدي على حصر السلاح بيد الدولة، مدعوماً بخطوة مقتدى الصدر التي عززت هذا التوجه، تواصل بعض الفصائل المسلحة السباحة عكس التيار.
وبينما تتحدث الحكومة عن بدء تسلم أسلحة بعض الفصائل، يكشف تمسك جماعات أخرى بسلاحها أن معركة حصر القوة العسكرية بيد الدولة لم تُحسم بعد، وأن العراق يقف عند مفترق طرق بين ترسيخ سلطة المؤسسات أو استمرار ازدواجية السلاح التي شكلت أحد أكثر ملفات ما بعد 2003 تعقيداً وحساسية.
وأعلن زعيم التيار الصدري في العراق، مقتدى الصدر، قبل أسبوع، فك الارتباط بين حركته السياسية والجناح المسلح التابع لها «سرايا السلام»، ووضع التشكيل المسلح تحت سلطة الدولة العراقية ضمن المؤسسات الأمنية الرسمية، في خطوة تعد مؤشراً سياسياً بارزاً لدعم جهود رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي الرامية إلى ضبط الفصائل المسلحة وحصر السلاح بيد الدولة، في ظل ضغوط داخلية وخارجية متزايدة، ولاسيما من الولايات المتحدة، لمعالجة ملف السلاح خارج إطار المؤسسات الرسمية.

ويرى مراقبون أن خطوة الصدر قد تحمل أبعاداً سياسية تهدف أيضاً إلى إحراج الفصائل المنافسة المقربة من إيران، إذ لطالما وجّه انتقادات حادة لتلك الجماعات واتهمها بالعمل خارج إطار الدولة وتقويض السيادة العراقية.
فصيلان يرفضان تسليم السلاح
إلا أن قياديا كبيرا في الإطار الشيعي الحاكم قال في تصريحات لـ«العين الإخبارية»، إن اثنين من الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران وهما كتائب حزب الله العراق وحركة النجباء يرفضان تسليم السلاح إلى الدولة.
وأوضح المصدر مشترطاً عدم الكشف عن هويته أن «القيادي في الإطار وزعيم منظمة بدر هادي العامري لا يزال يقود حراكاً لإقناع الفصائل بالتخلي عن السلاح قبل أن تنتهي المهلة التي وضعتها الولايات المتحدة بحلول أكتوبر/تشرين الأول المقبل».

وأضاف أن «العامري ومعه عدد من قادة الإطار تمكنوا من إقناع عصائب أهل الحق بزعامة قيس الخزعلي، وكتائب سيد الشهداء بزعامة أبو آلاء الولائي، وكتائب الإمام علي بزعامة شبل الزيدي، وأنصار الله الأوفياء بزعامة حيدر الغراوي، بالتخلي عن السلاح».
وتابع أن «الأيام المقبلة ربما سيتم الإعلان بشكل رسمي من قبل هذه الفصائل المسلحة عن تسليم سلاحها والانخراط في العمل السياسي وتسلم مناصب في الحكومة الحالية».
الكتائب تعلن رسميا
وفي سياق متصل، أكّدت كتائب حزب الله العراقية، وهي فصيل مسلّح نافذ موال لإيران، استمرارها في "العمل الجهادي".
وقال المسؤول الأمني في الكتائب أبو مجاهد العساف السبت في بيان: «نذكّر بأن العمل الجهادي اليوم هو واجب كفائي، وسنؤديه نيابة عن الإخوة الذين قرروا تركه»، مضيفًا: «مستعدون للتعاون وأخذ دور بنّاء لتقديم بعض التسهيلات والإرشادات ومنها الإشراف على جرد الأسلحة ونقلها وخزنها بطريقة آمنة، إضافة إلى استلام بعض الأسلحة الخاصة التي لا يوجد لها مختصون في أجهزة الدولة، مثل الطائرات المسيّرة والانتحارية، والصواريخ الجوّالة، والمضادة للدروع وغيرها».
وأكدت كتائب حزب الله أنها لن تبحث مسألة سلاحها ما دام انتشار قوات أجنبية مستمرا في إقليم كردستان بشمال العراق، في إطار التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن منذ عام 2014 لمحاربة تنظيم داعش.
أزمة السلاح.. تحول سياسي
يقول الخبير في الشؤون السياسية نبيل سالم الجبوري في حديث لـ«العين الإخبارية»، إن أزمة حصر السلاح وسحبه من المليشيات المسلحة يحتاج إلى المزيد من الوقت ويتطلب ذلك على الأقل عاماً واحداً.
وأوضح الجبوري أن «العراق يواجه ضغوطاً متصاعدة لمعالجة ملف الفصائل المسلحة الخارجة عن سلطة الدولة، بالتزامن مع التوترات الإقليمية المستمرة والمطالب الأمريكية المتزايدة لبغداد بالحد من نفوذ الجماعات المسلحة المقربة من إيران».
ورأى أن «خطوة زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، المتعلقة بفك الارتباط بين تياره وسرايا السلام ووضعها تحت سلطة الدولة، تشير إلى تحول سياسي مهم في المشهد العراقي، خاصة في ظل دعواته المتكررة للحكومة الجديدة برئاسة علي الزايدي لحصر السلاح بيد الدولة وحلّ الفصائل المسلحة».

ولفت إلى أن «القضية الأخرى أن هذه الخطوة تحمل بعداً مزدوجاً؛ فهي من جهة رسالة دعم لحكومة الزيدي في مشروعها لإعادة ضبط الأمن الداخلي، ومن جهة أخرى إعادة تموضع سياسي للصدر داخل المشهد العراقي استعداداً لمرحلة سياسية جديدة».
وتابع أن «الصدر يحاول تقديم نفسه كطرف داعم للدولة ومؤسساتها، في مقابل الفصائل المسلحة الأخرى التي ما تزال خارج السيطرة المباشرة، خصوصاً تلك المرتبطة بالحشد الشعبي والتي تحظى بنفوذ سياسي وأمني واسع».
البعد الأمني والعسكري
في السياق نفسه، يقول الخبير في الشؤون الأمنية في مركز البيدر للدراسات الاستراتيجية نبيل البياتي في حديث لـ«العين الإخبارية»، إن تحويل سرايا السلام إلى تشكيل خاضع رسمياً للدولة، إذا نُفذ فعلياً، قد يساهم في تقليل حالة التعدد المسلح داخل العراق، لكنه لا يعني بالضرورة نهاية النفوذ الميداني للفصائل؛ إذ تشير تجارب سابقة إلى أن بعض التشكيلات المسلحة احتفظت بهياكلها غير الرسمية رغم اندماجها شكلياً ضمن مؤسسات الدولة.
وأوضح البياتي أن «التحدي الحقيقي يكمن في قدرة الحكومة على فرض السيطرة الموحدة على جميع التشكيلات المسلحة دون استثناء».
وعلى المستوى الإقليمي، يرى البياتي أن «هذه الخطوة قد تُقرأ كجزء من إعادة ترتيب موازين القوى داخل العراق، خصوصاً في ظل التوترات بين الولايات المتحدة وبعض الفصائل المسلحة المقربة من إيران».
ويشير إلى أن أي تقدم في ملف حصر السلاح بيد الدولة سيُنظر إليه بإيجابية من قبل واشنطن، لكنه قد يثير في المقابل حساسية لدى بعض القوى الإقليمية التي تعتمد على نفوذ هذه الفصائل داخل العراق.
وتابع: «تأتي هذه الخطوة امتداداً لمواقف سابقة للصدر، حيث دعا مراراً إلى حلّ الفصائل المسلحة أو تحويلها إلى كيانات مدنية وخدمية، وكان قد اقترح سابقاً إعادة توظيفها في مجالات إنسانية وإغاثية بدلاً من العمل العسكري».
ويرى البياتي، أن تكرار هذه الدعوات يشير إلى استراتيجية سياسية طويلة المدى تهدف إلى إعادة تشكيل المشهد الشيعي في العراق، وتقليل تأثير الجماعات المسلحة على القرار السياسي والأمني.
بدء تسليم أسلحة الفصائل
وفي سياق متصل، أعلن رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي أن الحكومة وضعت آلية تنفيذية لحصر السلاح بيد الدولة، مؤكداً أن عملية تسليم أسلحة الفصائل ستنطلق خلال الأيام المقبلة ضمن برنامج حكومي يهدف إلى تعزيز سلطة الدولة وترسيخ الاستقرار الأمني.
وقال الزيدي خلال لقائه عدداً من الإعلاميين وحضرته «العين الإخبارية»، إن عملية تسليم السلاح ستبدأ من اليوم من قبل سرايا السلام، فيما ستباشر عصائب أهل الحق بتسليم أسلحتها إلى الدولة بعد يوم واحد من ذلك.
وأضاف أن إجراءات حصر السلاح لا تقتصر على الفصائل المسلحة، بل تشمل أيضاً أسلحة العشائر، مؤكداً أن الدولة ماضية في تنفيذ هذا الملف على جميع المستويات.
وأشار رئيس الوزراء إلى صعوبة الوضع المالي الذي ورثته الحكومة، موضحاً أن الرصيد المالي المتوفر عند تسلمه المنصب لم يتجاوز تريليون دينار، في حين تحتاج الدولة إلى نحو عشرة تريليونات دينار شهرياً لتغطية الرواتب والنفقات التشغيلية الأساسية.
وأكد الزيدي أن حكومته تعمل على معالجة التحديات المالية والأمنية بالتوازي، مع التركيز على استعادة هيبة الدولة وتعزيز قدرتها على إدارة الملفات الاقتصادية والخدمية والأمنية.