بين ضغوط أمريكا وانخراط فصائل.. العراق يعيد رسم خريطة السلاح (خاص)
تشهد الساحة السياسية والأمنية العراقية تحولاً جذرياً يُعد الأبرز منذ عام 2003، تقوده حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي بدعم من "الإطار التنسيقي" وضغوط أمريكية مكثفة.
يتمحور هذا التحول حول مبادرة حكومية شاملة لإعادة تنظيم هيكلية الفصائل المسلحة الموالية لإيران، وفك ارتباطها الحزبي العسكري والسياسي، وحصر السلاح بيد الدولة.
ويأتي المشروع وسط ضغوط سياسية وأمنية متزايدة. فالإطار التنسيقي أعلن دعمه الصريح لحصر السلاح بيد الدولة وفك ارتباط الحشد الشعبي بالأطر السياسية والحزبية، بينما رحبت الولايات المتحدة بالخطوات التي اتخذتها بعض الفصائل.
شروط واشنطن
وتشير معلومات من داخل مكتب رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي لـ"العين الإخبارية"، إلى أن واشنطن تشترط إنهاء نفوذ الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران وتعزيز سلطة الدولة على جميع التشكيلات الأمنية كجزء من رؤيتها للعلاقة المستقبلية مع بغداد.
ونقل القائم بالأعمال الأمريكي في بغداد، جوشوا هاريس، شروطاً صارمة من إدارة الرئيس دونالد ترامب، مفادها الرفض القاطع لمشاركة أي فصيل مسلح في الحكومة الحالية حتى وإن أعلن تخليه عن السلاح.
وبحسب المصادر تشترط واشنطن "فترة اختبار ومراقبة" للتأكد من تفكيك البنية الاقتصادية والعسكرية لهذه الفصائل، وتعتمد واشنطن ثلاثة مسارات للضغط: العزل السياسي، العقوبات الاقتصادية والتحكم بتدفقات الدولار، وإعادة هيكلة المنظومة الأمنية.
في المقابل، وصف المبعوث الأمريكي الخاص توم براك الخطوة بأنها "لبنة أولى لحكم عراقي متجدد يستعيد السيادة".
وبين الاستجابة السريعة لبعض القوى الكبرى والرفض العقائدي الحاد لأخرى، يرسم خبراء ملامح المرحلة الجديدة، وصلاحيات اللجنة الحكومية المشكلة لحصر السلاح، وآليات تنفيذ عملها، ومواقف الفصائل المختلفة.
اللجنة الحكومية
وبموجب أمر صادر عن القائد العام للقوات المسلحة، تشكلت لجنة حكومية مشتركة تضم ممثلين عن الحكومة وفصائل الحشد الشعبي الممتثلة للقرار.
وتتحرك هذه اللجنة بصلاحيات واسعة وتفويض كامل ومفتوح من الإطار التنسيقي الحاكم لرئيس الوزراء.
وأوضح نائب قائد العمليات المشتركة، الفريق أول الركن قيس المحمداوي، والناطق باسم القائد العام صباح النعمان، أن المقاربة الرسمية لتنفيذ تفكيك الأجنحة المسلحة سيتم عبر مسارات محددة.
ورأى المحمداوي في تصريح تابعته "العين الإخبارية"، أنه "سيكون هناك فصل بين الجانب الإداري والعملياتي، حيث يبقى الجانب الإداري والمالي (الرواتب والمستحقات) مرتبطاً بهيئة الحشد الشعبي كالمعتاد لضمان حقوق المنتسبين، بينما ينتقل الارتباط العملياتي والعسكري حصراً إلى المؤسسات الأمنية الرسمية والقائد العام للقوات المسلحة".
وقال إن "هذه الخطوة تضمن يتم عزل الجانب العسكري عن أي عناوين أو أطر سياسية، حزبية، أو اجتماعية، ومنع الفصائل من استخدام غطائها المسلح لتحقيق مكاسب سياسية، وفتح قنوات تنسيق عالية المستوى مع كافة القوات الأمنية، بما في ذلك قوات البيشمركة، لضمان السيطرة على حركة السلاح".
وعن المدى الزمني يوضح المحمداوي أن "اللجنة تعمل بشكل متواصل ودون تحديد سقف زمني صارم، تفادياً للأزمات المفاجئة ولضمان استيعاب كافة التشكيلات تدريجياً".
مراحل التسليم
من جانبه، يقول عضو لجنة الأمن والدفاع في البرلمان العراقي النائب اسكندر وتوت لـ"العين الإخبارية"، إنه "يجري التعامل مع السلاح وتسليمه عبر مرحلتين أساسيتين".
وأضاف "المرحلة الأولى، هي فك ارتباط الفصائل عن جهاتها السياسية وتحويل تبعيتها مباشرة إلى الدولة، مع تشكيل لجان فرعية داخل كل فصيل لعمل جرد كامل للأفراد والآليات، والمرحلة الثانية تسليم السلاح النوعي، وحصر وجدولة تسليم الأسلحة الثقيلة والمتوسطة، وبالأخص الطائرات المسيرة (الانتحارية) والصواريخ الجوالة والمضادة للدروع، وإدخالها ضمن مستودعات الدولة الرسمية".
ويرى أن حصر السلاح بيد الدولة يمثل استحقاقاً دستورياً طال انتظاره، مؤكداً أن نجاح اللجنة الحكومية يعتمد على وجود إرادة سياسية موحدة وتعاون الفصائل مع الدولة، وأن المرحلة الحالية تتطلب إنهاء الازدواجية الأمنية.
وشدد على أن إعادة تنظيم التشكيلات المسلحة يجب أن تتم ضمن إطار قانون هيئة الحشد الشعبي، مع الحفاظ على حقوق المقاتلين وضمان عدم حدوث فراغ أمني في المناطق التي تنتشر فيها تلك التشكيلات.
ورأى أن مشروع حصر السلاح يهدف إلى تقوية الدولة وليس استهداف فصيل معين، مؤكداً أن المرحلة المقبلة تتطلب بناء مؤسسة أمنية موحدة ترتبط بالقائد العام للقوات المسلحة.
نجاح المشروع
من جانبه، يعتقد الخبير في الشؤون الأمنية في مركز بغداد للدراسات الاستراتيجية سلام المعموري في حديثه لـ"العين الإخبارية"، أن اللجنة الحكومية لن تتمكن من تحقيق نتائج ملموسة ما لم تحصل على دعم سياسي شامل من القوى الشيعية الرئيسية، لأن الملف يرتبط بالتوازنات السياسية أكثر من ارتباطه بالإجراءات العسكرية.
ويقول المعموري أن نجاح المشروع يتطلب "قاعدة بيانات دقيقة للأسلحة والأفراد، وتحديد واضح للقيادة والسيطرة، وإنهاء الازدواجية بين القرارين العسكري والسياسي"، مؤكداً أن أي عملية دمج يجب أن تتم وفق عقيدة عسكرية وطنية موحدة.
وأضاف "أن دمج التشكيلات المسلحة يحتاج إلى إجراءات تدريجية ومدروسة، لأن بعض الفصائل تمتلك هياكل تنظيمية وعسكرية معقدة تشكلت خلال سنوات الحرب ضد تنظيم داعش".
وعند سؤاله عن رفض بعض الفصائل المسلحة تسليم السلاح، قال "هذه الفصائل تعتبر أن سلاحها مرتبط بمهمة الدفاع عن العراق، وترفض تسليمه ما لم تنتهِ بالكامل مبررات وجوده، وفي مقدمتها الوجود العسكري الأجنبي".
وأشار إلى أن هذه الفصائل ترتبط عقائدياً بولاية الفقيه، وتعتبر قرارها بيد المرشد الإيراني مجتبى خامنئي، وليس بقرارات الحكومة العراقية.
وأضاف المعموري "تبقى الفصائل الرافضة التحدي الأكبر أمام المشروع، خصوصاً أن بعضها يمتلك ترسانة عسكرية كبيرة ونفوذاً سياسياً وأمنياً واسعاً، ما يجعل الأشهر المقبلة حاسمة في تحديد قدرة الحكومة على المضي في مشروع حصر السلاح بيد الدولة وانهاء ظاهرة تعدد مراكز القوة المسلحة في العراق".
وعند سؤاله عن الأسلحة التي ستسلمها الفصائل، قال "المطلوب وهو ما تريده الولايات المتحدة هي الأسلحة الاستراتيجية من الصواريخ والطائرات المسيرة والانتحارية وليس الأسلحة الخفيفة أو المتوسطة".
الفصائل الموافقة
وانقسم المشهد المسلح في العراق أمام هذه الإجراءات إلى جبهتين متناقضتين تماماً؛ جبهة اختارت الانخراط الكامل في الدولة لتعزيز مكاسبها السياسية، وجبهة تمسكت بالسلاح.
وتضم الجبهة الأولى قوى دافعت سابقاً عن وجود السلاح، لكنها فضلت التكيف مع المتغيرات الدولية والمحلية، وهي:
سرايا السلام (التيار الوطني الشيعي)
كان زعيم التيار مقتدى الصدر المبادر الأول بالإعلان (في 27 مايو/ أيار 2026) عن إلحاق السرايا بالدولة لإنهاء الارتباطات الحزبية، وترجم ذلك ميدانياً في مدينة سامراء ببدء إجراءات الدمج الفعلي بحضور قيادات السرايا والعمليات المشتركة.
حركة عصائب أهل الحق
أعلنت رسمياً تشكيل لجنة مركزية برئاسة القيادي فيها جواد الطليباوي لفك ارتباطها بالحشد وحصر السلاح. وتأتي الخطوة مدفوعة برغبة العصائب (التي تمتلك 28 نائباً برلمانيا) بالتركيز على العمل السياسي التنفيذي والوزاري في حكومة الزيدي.
كتائب الإمام علي
يتزعمها شبل الزيدي وأعلنت تضامنها مع قرار الإطار التنسيقي والمباشرة بفك الارتباط وحصر السلاح، سعياً للحفاظ على كتلتها البرلمانية (5 نواب) وتأمين مناصب تنفيذية.
جبهة الرفض
على الجانب الآخر، رفضت فصائل بارزة التخلي عن سلاحها، وهي: كتائب حزب الله العراق، حركة النجباء، كتائب سيد الشهداء، أنصار الله الأوفياء، وأصحاب أهل الكهف، وجميع هذه الفصائل مصنفة كجماعات إرهابية من قبل الولايات المتحدة.
النجباء وكتائب حزب الله
يربط فصيلا "النجباء" بزعامة أكرم الكعبي، و"كتائب حزب الله العراق" بزعامة أبو حسين الحميداوي أي حديث عن تسليم السلاح بإنهاء مهام التحالف الدولي رسمياً وخروج القوات الأمريكية المتوقع في سبتمبر/ أيلول المقبل.
كتائب سيد الشهداء
جماعة منضوية في الحشد الشعبي ولديها كتلة برلمانية تضم 9 مقاعد وهي متحالفة مع ائتلاف دولة القانون بزعامة نوري المالكي.
أنصار الله الأوفياء
جماعة داخل الحشد ويتزعمها حيدر الغراوي ودخلت الانتخابات بتحالف مع رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني.
أصحاب الكهف
جماعة مسلحة ظهرت على المشهد العراقي بعد يناير/ كانون الثاني 2020.
الموقف من الرافضين
يقول مصدر مقرب من الإطار الشيعي الحاكم لـ"العين الإخبارية": "سنخوض مفاوضات مطولة مع الرافضين لإقناعهم بضرورة التخلي عن السلاح"، لكنه أضاف "إذا انتهت مهلة انسحاب القوات الأجنبية في سبتمبر المقبل؛ حينها، ستكون الحكومة مجبرة إما على الصدام المباشر واعتبار الفصائل الرافضة "جماعات خارجة عن القانون"، أو البحث عن صيغ تسوية مرنة لتفادي انزلاق البلاد نحو أزمة أمنية واسعة النطاق".
وتابع المصدر "نحن لا نستبق الأحداث، وهناك مفاوضات جارية على قدم وساق ونتوقع أن نصل إلى نتائج مرضية بضرورة التخلي عن السلاح لا سيما السلاح الاستراتيجي وفك ارتباط هذه الفصائل بالحشد الشعبي".
رؤية الحشد الشعبي
وأكد المصدر أن مشروع فك الارتباط الجاري تنفيذه لا يعني خروج المنتسبين من الحشد أو نقلهم إلى مؤسسات أمنية أخرى، بل يهدف إلى إنهاء أي ارتباط تنظيمي أو إداري بين المنتسبين والجهات أو الأحزاب السياسية التي كانوا ينتمون إليها.
وبحسبه، فإن المنتسبين سيبقون ضمن ألوية الحشد الشعبي نفسها، على أن يصبح ارتباطهم المباشر بهيئة الحشد الشعبي والقائد العام للقوات المسلحة، مع إلغاء جميع المسميات والانتماءات الحزبية داخل التشكيلات العسكرية.
وأضاف أن الإجراءات تشمل أيضاً تسليم الأسلحة الموجودة خارج الأطر الرسمية إلى الحكومة أو هيئة الحشد الشعبي، لتكون جميع الأسلحة خاضعة لسلطة الدولة وقيادة الحشد ممثلة برئيس الهيئة ورئيس الأركان.