من الري إلى التسويق.. كيف يستثمر العراق في أمنه الغذائي؟
يمثل الأمن الغذائي اليوم أحد أهم التحديات الاستراتيجية التي تواجه العراق، في ظل تراجع الموارد المائية، وتسارع آثار التغيرات المناخية، والاعتماد الكبير على الاستيراد لتلبية احتياجات السوق المحلية.
ومع ذلك، تشير التطورات الأخيرة إلى أن الحكومة العراقية بدأت تتجه نحو تبني سياسات تستهدف تحديث القطاع الزراعي، من خلال التوسع في تقنيات الري الحديث، وتشجيع الزراعة الذكية، وتعزيز الشراكات الدولية، بما يهدف إلى رفع الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الخارج.
ويرى خبراء أن نجاح هذه الجهود يعتمد على الانتقال من الحلول المؤقتة إلى استراتيجية وطنية طويلة الأمد، تجعل الزراعة أحد أعمدة الاقتصاد العراقي، وليس مجرد قطاع موسمي يرتبط بتوافر المياه أو أسعار النفط.
وشهد العراق خلال السنوات الأخيرة توسعاً تدريجياً في استخدام تقنيات الري بالرش والتنقيط، بدلاً من أساليب الري السطحي (بالغمر) التقليدية التي تهدر كميات كبيرة من المياه.
الري الحديث لمواجهة الجفاف
ويؤكد رئيس لجنة الزراعة والمياه الأسبق في البرلمان، ثائر التميمي، أن التحول نحو الري الحديث أصبح الخيار الأكثر أهمية لمواجهة الجفاف، داعياً إلى تقديم قروض ميسرة أو بدون فوائد لتمكين المزارعين من شراء منظومات الري الحديثة، وربط الدعم الحكومي بالمزارعين الذين يعتمدون هذه التقنيات.
ويرى التميمي في حديثه لـ"العين الإخبارية"، أن اعتماد هذه المنظومات يحقق ثلاثة أهداف رئيسية: "تقليل استهلاك المياه بنسبة كبيرة، وزيادة إنتاجية الدونم، وتقليل كلفة التشغيل والأسمدة والطاقة".
وأشار إلى أن مفهوم الزراعة الذكية لا يقتصر على أنظمة الري، بل يشمل استخدام التقنيات الرقمية والاستشعار عن بعد، وتطبيقات الطقس، والذكاء الاصطناعي، والطائرات المسيرة لمراقبة المحاصيل، إضافة إلى اختيار الأصناف الأكثر مقاومة للجفاف.
ويؤكد التميمي أن "هذه التجربة لا تزال في بداياتها، إذ تتركز في مشاريع محدودة، بينما يحتاج تعميمها إلى تمويل أكبر، وإرشاد زراعي متطور، وشبكات كهرباء مستقرة، وبنية تحتية رقمية قادرة على دعم التحول التقني".
ويوضح أن توجه وزارة الزراعة قبل 3 أيام نحو التوسع في منظومات الري الحديثة يمثل خطوة استراتيجية لمعالجة أزمة شح المياه وتعزيز الأمن الغذائي، لا سيما مع التعاقد على أكثر من 13 ألف منظومة ري تغطي نحو 3.5 مليون دونم (الدونم يعادل مساحة 2500 متر في العراق)، مؤكداً أن نجاح هذه الخطوة لا يقتصر على توفير المياه، بل ينعكس أيضاً في رفع كفاءة الإنتاج الزراعي وتقليل كلف الزراعة على المدى الطويل.
ويشير إلى أن التحول إلى تقنيات الري الحديثة أصبح ضرورة وليس خياراً، في ظل انخفاض الإيرادات المائية وتراجع معدلات الأمطار وتفاقم آثار التغيرات المناخية، موضحاً أن القطاع الزراعي يستهلك أكثر من 70% من الموارد المائية في العراق، الأمر الذي يجعل تحسين كفاءة استخدام المياه أولوية وطنية.
ويضيف أن اعتماد منظومات الري المتطورة، إلى جانب استثمار المياه الجوفية، يخفف الضغط على نهري دجلة والفرات، كما يسهم في زيادة الإنتاجية الزراعية، وهو ما انعكس خلال السنوات الأخيرة بتحقيق الاكتفاء الذاتي من محصول الحنطة وعدد من المحاصيل الغذائية.
- الطاقة تقود التحول.. 48 اتفاقاً تعمق الشراكة بين العراق وأمريكا
- كونوكو فيليبس تدخل كركوك.. استثمار أمريكي ضخم في نفط العراق
أثر أزمة المياه والتغيرات المناخية على الأمن الغذائي؟
وتعد أزمة المياه التحدي الأكبر أمام الزراعة العراقية، ويحذر التميمي من أن العراق فقد ما يقارب 70% من حصته المائية نتيجة مشاريع السدود التي أقامتها دول المنبع، وفي مقدمتها تركيا، فضلاً عن التغيرات المناخية وارتفاع درجات الحرارة.
ويؤكد أن السنوات المقبلة قد تكون الأصعب، ما لم تعتمد الدولة خطة استباقية شاملة لمواجهة أزمة الجفاف التي عصفت بالبلاد خلال السنوات الماضية.
ويحدد 5 مسارات رئيسية لمواجهة الأزمة "التحول الكامل إلى الري الحديث، وتبطين الأنهر والجداول للحد من الهدر، وتحقيق عدالة توزيع المياه، وتنظيم استخدام المياه الجوفية والحد من الاستنزاف العشوائي، والتوسع في مشاريع حصاد مياه الأمطار والسيول".
ويخلص التميمي إلى أن استمرار انخفاض الموارد المائية يهدد بتراجع المساحات المزروعة، وانخفاض إنتاج الحبوب والخضروات، وارتفاع أسعار الغذاء، وزيادة الاعتماد على الاستيراد، الأمر الذي يجعل الأمن الغذائي أكثر هشاشة أمام الأزمات الإقليمية والدولية.
هل الدعم الحكومي الحالي كافٍ؟
رغم وجود برامج لدعم القطاع الزراعي، فإن معظم المختصين يرون أنها لا تزال أقل من حجم التحديات.
ويؤكد الخبير الاقتصادي صالح الخفاجي في حديثه لـ"العين الإخبارية"، أن المشكلة الأساسية لا تكمن فقط في التمويل، بل في غياب استراتيجية اقتصادية ثابتة، إذ تختلف أولويات الحكومات المتعاقبة، وتتغير السياسات مع كل دورة حكومية، ما يؤدي إلى تعطيل المشاريع وعدم استكمالها.
ويرى أن العراق يحتاج إلى استراتيجية وطنية طويلة الأمد لإدارة الاقتصاد والزراعة، بعيداً عن الحسابات السياسية، معتبراً أن استمرار اعتماد البلاد على النفط بنسبة تقارب 90% من الإيرادات يمثل خطراً استراتيجياً على الاقتصاد الوطني.
ويشدد على أن تحديث الزراعة يتطلب "زيادة التمويل الزراعي، ودعم شراء المعدات الحديثة، وإصلاح منظومة الإرشاد الزراعي، وتطوير البحوث الزراعية، وحماية المنتج المحلي من المنافسة غير العادلة".
من جانبه، يرى رئيس لجنة الزراعة والمياه الأسبق في البرلمان، ثائر التميمي، أن الدعم الحكومي الذي يغطي 30% من قيمة منظومات الري، مع منح المزارعين فترة سماح وتقسيط يمتد لعشر سنوات، يمثل حافزاً مهماً لتوسيع استخدام التقنيات الحديثة، لكنه يؤكد أن نجاح المشروع يتطلب أيضاً استمرار توفير البذور المحسنة المقاومة للجفاف، والتوسع في استخدام التسوية الليزرية للأراضي، بما يقلل هدر المياه ويرفع كفاءة الإنتاج.
ويشدد على أن تحديث القطاع الزراعي لا يكتمل دون إصلاح منظومة التسويق، مبيناً أن إنشاء مخازن حديثة، وسلاسل تبريد، ومراكز متطورة لتسويق المنتجات داخل العراق وخارجه، سيحد من هدر المحاصيل، ويرفع قيمتها الاقتصادية، ويزيد من دخل المزارعين، بما يحول الزراعة إلى قطاع اقتصادي أكثر ربحية واستدامة.
ما دور الشراكات الدولية؟
وتمثل الشراكات مع الدول المتقدمة والمنظمات الدولية أحد أهم أدوات تحديث الزراعة العراقية.
وفي هذا السياق، يؤكد الخبير الاقتصادي عبد الرحمن الشيخلي أن العراق بحاجة إلى الاستفادة من علاقاته الدولية لنقل التكنولوجيا الحديثة، خاصة في ظل الثورة الصناعية الرابعة، مشيراً إلى أن الاقتصاد العراقي لم يواكب بعد هذه التحولات.
ويرى الشيخلي أن التعاون مع الشركاء الدوليين يمكن أن يشمل "إدخال تقنيات الزراعة الذكية، وتطوير أنظمة الري الحديثة، وتدريب الكوادر الزراعية، واستخدام الأقمار الصناعية لمراقبة المحاصيل، وتحسين إنتاج البذور، وتطوير الصناعات الغذائية".
ولفت إلى أنه "يمكن للمنظمات الدولية، مثل منظمة الأغذية والزراعة (فاو) والصندوق الدولي للتنمية الزراعية، أن تسهم في تمويل مشاريع المياه، ودعم صغار المزارعين، وتحسين سلاسل الإنتاج".
ويؤكد أن نجاح هذه الشراكات يتطلب بيئة استثمارية مستقرة، وإجراءات حكومية مرنة، وتشريعات تشجع الاستثمار الزراعي.
لماذا يعاني تسويق المنتجات الزراعية؟
ولا تقتصر تحديات الزراعة العراقية على الإنتاج، بل تمتد إلى مرحلة التسويق. ويؤكد مختصون أن المزارع العراقي غالباً ما يواجه صعوبة في تصريف محصوله بسبب "ضعف المخازن المبردة، وقلة الصناعات الغذائية التحويلية، وارتفاع كلفة النقل، ومنافسة المنتجات المستوردة، وغياب التسويق الإلكتروني والمنصات الحديثة".
ويشير الخبير الصناعي عامر جاسم الحلفي إلى أن ضعف القدرة التنافسية للمنتج المحلي يعود أيضاً إلى ارتفاع كلف الإنتاج، وانتشار التهريب، وعدم تطبيق المواصفات القياسية بصورة صارمة.
ويرى في حديثه لـ"العين الإخبارية"، أن تحويل الزراعة إلى قطاع اقتصادي مربح يتطلب ربطها بالصناعات الغذائية، وإنشاء مراكز تجميع وفرز وتعبئة، وتشجيع الاستثمار في سلاسل القيمة المضافة، بحيث لا يقتصر النشاط الزراعي على بيع المحاصيل الخام.
كيف يعزز العراق أمنه الغذائي؟
ويرى الحلفي أن تعزيز الأمن الغذائي يتطلب حزمة متكاملة من الإصلاحات، تشمل "اعتماد استراتيجية وطنية للأمن الغذائي، وتحديث أنظمة الري، واستثمار المياه بكفاءة، وتطوير البذور والأصناف المقاومة للجفاف، والتوسع في الزراعة الذكية، وحماية المنتج المحلي، وتشجيع الصناعات الغذائية، ودعم البحث العلمي الزراعي، وجذب الاستثمارات الأجنبية، وتوسيع الشراكات الدولية لنقل التكنولوجيا".
كما يؤكد أن تنويع الاقتصاد يمثل شرطاً أساسياً لتعزيز الأمن الغذائي، موضحاً أن الاعتماد المفرط على النفط يجعل الاقتصاد عرضة للصدمات، بينما يمكن للزراعة والصناعة أن تشكلا مصادر مستدامة للنمو وخلق فرص العمل.
بين الأمن المائي والأمن الغذائي
وأصبحت معادلة الأمن الغذائي في العراق مرتبطة بشكل مباشر بإدارة المياه والتكنولوجيا والسياسات الاقتصادية. فكلما نجح العراق في تحديث قطاعه الزراعي، وتحسين إدارة موارده المائية، وتطوير سلاسل الإنتاج والتسويق، تراجعت فاتورة الاستيراد وارتفعت قدرة البلاد على تحقيق الاكتفاء الذاتي.
ويرى خبراء أن السنوات المقبلة ستكون حاسمة، فإما أن تتحول أزمة المياه إلى فرصة لإعادة بناء القطاع الزراعي على أسس حديثة تعتمد الكفاءة والتكنولوجيا، وإما تستمر التحديات الحالية بما يوسع فجوة الأمن الغذائي ويزيد الاعتماد على الأسواق الخارجية، في وقت يشهد فيه العالم اضطرابات متزايدة في سلاسل الإمداد وأسعار الغذاء.