مطار الموصل الدولي.. رهان العراق لإحياء اقتصاد نينوى وربطها بالعالم
خبراء: المشروع يعيد رسم خارطة الاستثمار والسياحة والتجارة في شمال العراق
بعد أكثر من عقد على تدميره، يعود مطار الموصل إلى الواجهة كمشروع استراتيجي تراهن عليه العراق لإحياء اقتصاد نينوى وربطها بالعالم من جديد.
لا يُنظر إلى مطار الموصل الدولي بمحافظة نينوى بالعراق بوصفه مجرد مشروع لإعادة تشغيل منشأة خدمية دمرتها الحرب بعد سيطرة تنظيم داعش الإرهابي على مساحات واسعة من العراق عام 2014، بل باعتباره أحد أهم المشاريع الاستراتيجية التي تراهن عليها الحكومة العراقية ومحافظة نينوى لإعادة المدينة إلى موقعها الاقتصادي والتجاري، بعد سنوات من الدمار الذي خلفه تنظيم داعش، وما تبعه من تحديات أمنية واقتصادية عطلت واحدة من أهم المدن العراقية.
ورغم تأجيل افتتاح المطار إلى حين استكمال المتطلبات الفنية والحصول على الاعتماد الدولي، فإن المشروع لا يزال يحظى باهتمام واسع، لما يمثله من ركيزة أساسية في إعادة إعمار نينوى، وتنشيط الاستثمار، وخلق فرص العمل، وإعادة ربط المحافظة بالأسواق المحلية والإقليمية والدولية.
وفي منتصف يونيو/ حزيران الماضي، أكدت سلطة الطيران المدني العراقي أن تأخر افتتاح مطار الموصل يعود إلى عدم استكمال عدد من المتطلبات الفنية والإدارية الأساسية، وفي مقدمتها عدم التعاقد مع استشاري للتدقيق الإنشائي، وعدم حسم الجهة المشغلة للمطار، إلى جانب الحاجة إلى توفير كوادر مؤهلة ومرخصة لإدارته وتشغيله.
وأضافت السلطة أن المشروع لم يستكمل أيضاً تصاميم وإجراءات مسارات الهبوط والإقلاع، وهي من المتطلبات الفنية الضرورية لضمان سلامة الحركة الجوية، مؤكدة أن افتتاح المطار لن يتم قبل استيفاء جميع معايير السلامة والاشتراطات المعتمدة من منظمة الطيران المدني الدولي (ICAO)، حفاظاً على سلامة المسافرين والطائرات.
وشهد مطار الموصل خلال الأشهر الماضية تشغيلًا تجريبياً محدوداً، إذ انطلقت منه في ديسمبر/ كانون الأول الماضي أول رحلة باتجاه مطار البصرة الدولي، أعقبها تنظيم عدد من الرحلات الداخلية إلى بغداد والنجف. كما استُخدم المطار خلال فبراير/شباط الماضي لتسيير رحلات نقل الحجاج العراقيين إلى المملكة العربية السعودية، في إطار التشغيل الجزئي للمطار، بانتظار استكمال المتطلبات الفنية والإدارية اللازمة لافتتاحه رسمياً أمام الحركة الجوية المنتظمة.

وفي الأسبوع الماضي، اتفق محافظ نينوى عبد القادر الدخيل ورئيس سلطة الطيران المدني العراقي بنكين ريكاني على استكمال المتطلبات الفنية والإدارية اللازمة لإعادة تشغيل مطار الموصل الدولي، مؤكدين أهمية الإسراع في إنجاز الإجراءات تمهيداً لافتتاحه.
ويرى مختصون أن المطار سيكون أكثر من منفذ للنقل الجوي، إذ سيتحول إلى مركز اقتصادي ولوجستي يدعم حركة التجارة والسياحة والاستثمار، ويتكامل مع مشاريع استراتيجية أخرى، أبرزها منفذ ربيعة الحدودي ومشروع طريق التنمية.
من مدينة صناعية إلى اقتصاد يبحث عن التعافي
ويؤكد الخبير الاقتصادي والمختص في شؤون الطاقة، الدكتور كوفند شيرواني، أن الموصل كانت لعقود إحدى أهم ركائز الاقتصاد العراقي، مستندة إلى قاعدة صناعية وزراعية وسياحية واسعة، إلا أن هذه المكانة تراجعت بصورة كبيرة خلال السنوات الماضية.
ويشير في حديثه لـ"العين الإخبارية"، إلى أن المحافظة كانت تضم معامل استراتيجية مثل معملي إسمنت بادوش وسنجار، ومعمل السكر، ومعمل الغزل والنسيج، إضافة إلى مشاريع مائية مهمة كسد الموصل وسد بادوش، وهي منشآت شكلت لعقود قاعدة اقتصادية متينة للمدينة.
لكن هذه المقومات، بحسب شيرواني، تعرضت لتراجع كبير، إذ تعمل بعض المصانع اليوم بطاقات إنتاجية محدودة، فيما خرجت أخرى من الخدمة، بالتزامن مع تراجع النشاط الزراعي نتيجة انخفاض الموارد المائية، الأمر الذي انعكس على النشاط الاقتصادي في المحافظة بصورة عامة.
ويضيف أن إعادة تشغيل مطار الموصل تمثل خطوة محورية لإعادة تنشيط الاقتصاد المحلي، عبر تسهيل حركة المسافرين والبضائع وربط المحافظة بالأسواق الخارجية، مؤكداً أن وجود مطار دولي في نينوى سيمنح المدينة فرصة جديدة لاستعادة دورها الاقتصادي.
مشروع يتجاوز النقل الجوي
ويرى خبراء أن القيمة الحقيقية للمطار لا تكمن في عدد الرحلات الجوية فحسب، وإنما في ما سيخلقه من حركة اقتصادية مرافقة.
وقال الخبير في شؤون الطيران "محسن جاسم الركابي" لـ"العين الإخبارية"، المطارات الحديثة أصبحت مراكز اقتصادية متكاملة، تستقطب الفنادق، وشركات النقل، ومكاتب السياحة، والخدمات اللوجستية، وشركات الشحن، والأسواق التجارية، فضلاً عن استقطاب المستثمرين الذين يفضلون المدن المرتبطة بشبكات نقل دولية.
وأضاف الركابي سوف يسهم تشغيل المطار في تقليص تكاليف النقل والزمن اللازم لوصول رجال الأعمال والوفود الاستثمارية، الأمر الذي يعزز تنافسية الموصل في جذب المشاريع الجديدة.

وعن الطاقة الاستيعابية للمطار، أجاب إن "الشركة المصممة للمطار قدّرت في دراساتها الأولية الطاقة الاستيعابية للمطار ما بين 550 إلى 580 ألف مسافر سنوياً، مع قدرة على مناولة 30 ألف طن من البضائع. إلا أن شركة "سيلكوم" الاستشارية رفعت، في تقريرها الأخير غير الرسمي، تقديراتها إلى نحو 630 ألف مسافر سنوياً، مع إمكانية زيادة الطاقة الاستيعابية مستقبلاً وفقاً لنمو حركة المسافرين والشحن الجوي".
ويُتوقع الركابي أن يمتد أثر تشغيل مطار الموصل إلى قطاعات اقتصادية متعددة، وفي مقدمتها قطاع الفنادق والسياحة، إذ يشجع افتتاح المطار المستثمرين على التوسع في إنشاء الفنادق ومرافق الضيافة، مع تنامي حركة رجال الأعمال والوفود الرسمية والسياح. وتضم المدينة حالياً عدداً من الفنادق الحديثة، أبرزها فندق رمادا بلازا وفندق أبراج المدينة وفندق البارون السياحي، فضلاً عن فندق مودرن بلازا الدولي وفندق البرج الأبيض وفندق باشطابيا، وهي منشآت يُنتظر أن تستفيد بشكل مباشر من زيادة الحركة الجوية بعد افتتاح المطار رسمياً.
نافذة جديدة للتجارة
ويربط الدكتور كوفند شيرواني مستقبل مطار الموصل بعدد من المشاريع الاقتصادية الكبرى التي يجري العمل عليها في شمال العراق.
ويشير إلى أن افتتاح منفذ ربيعة الحدودي سيمنح المحافظة زخماً تجارياً إضافياً، من خلال تسهيل حركة البضائع القادمة من تركيا عبر الأراضي السورية باتجاه العراق، وهو ما سيزيد من أهمية الموصل كمركز لتوزيع البضائع.
ويضيف أن هذا التطور يتكامل مع مشروع طريق التنمية، الذي يصفه بأنه أحد أكبر المشاريع الاستراتيجية في المنطقة، إذ سيحول العراق إلى ممر تجاري يربط الخليج وآسيا بأوروبا عبر الأراضي العراقية والتركية.
ويرى أن وجود مطار دولي في الموصل، إلى جانب المنفذ الحدودي وطريق التنمية، سيجعل المحافظة مركزاً لوجستياً متكاملاً يجمع بين النقل البري والجوي، ويمنح الشركات المحلية والأجنبية خيارات أوسع لحركة التجارة والاستثمار.

دفعة للاستثمار
ويتوقع مختصون أن يسهم افتتاح المطار في رفع جاذبية نينوى للاستثمارات المحلية والأجنبية، خصوصاً في قطاعات الصناعة والخدمات والنقل والخزن والسياحة.
ويرى الخبير في الشؤون الاقتصادية والأستاذ بكلية الإمام الكاظم ببغداد "أحمد عباس البطاط"، أن قرب المطار من المناطق الصناعية والتجارية سيمنح الشركات قدرة أكبر على إدارة أعمالها، ويختصر الوقت والكلفة في تنقل رجال الأعمال والخبراء والفنيين.
ويقول لـ"العين الإخبارية"، أن المستثمر يبحث دائماً عن بيئة تمتلك بنية تحتية متطورة، ويأتي المطار في مقدمة هذه المتطلبات، إلى جانب الطرق والمنافذ الحدودية والطاقة والخدمات.
السياحة تعود من بوابة المطار
وأضاف البطاط "ولا يقتصر أثر المشروع على الاقتصاد والاستثمار، بل يمتد إلى القطاع السياحي، إذ تمتلك نينوى واحدة من أغنى المحافظات العراقية بالمواقع الدينية والأثرية والتراثية".
وتابع "فالمدينة تضم الجامع النوري، ومرقد النبي يونس، وكنائس تاريخية، فضلاً عن آثار نينوى القديمة، والحضر، ونمرود، وغيرها من المواقع التي يمكن أن تستقطب آلاف الزوار عند توافر شبكة نقل جوي منتظمة".
ولفت إلى "سهولة الوصول إلى الموصل ستشجع شركات السياحة على إدراجها ضمن برامجها، الأمر الذي سينعكس على الفنادق والمطاعم والأسواق وقطاع الخدمات".
تحديات ما قبل التشغيل
ورغم أهمية المشروع، يشير الدكتور كوفند شيرواني إلى أن الطريق لم يكتمل بعد. فبحسب تقديراته، تجاوزت الكلفة الأولية لإعادة إعمار المطار، التي كانت بحدود 185 مليون دولار، نتيجة تنفيذ أعمال إضافية لم تكن مدرجة في التصميم الأساسي.
كما أن المشروع تأخر عن الجدول الزمني الذي كان يستهدف إنجازه في عام 2024 أو مطلع عام 2025، بينما تواصل الجهات المختصة العمل لاستكمال متطلبات الاعتماد الدولي، بما يسمح للمطار باستقبال الرحلات الخارجية وفق معايير الطيران المدني الدولية.
ويؤكد شيرواني أن حصول المطار على الرخصة الدولية يمثل الخطوة الأهم، لأنه سيضاعف من الجدوى الاقتصادية للمشروع، ويفتح الباب أمام شركات الطيران الأجنبية لتسيير رحلات مباشرة إلى الموصل.
ركيزة لمستقبل نينوى
ويجمع خبراء الاقتصاد على أن نجاح مشروع مطار الموصل لا يقاس بعدد الطائرات التي ستهبط فيه، وإنما بقدرته على تحريك الاقتصاد المحلي وخلق فرص العمل وتنشيط الاستثمار وإعادة دمج نينوى في حركة التجارة الإقليمية.
كما أن تكامله مع منفذ ربيعة، ومشروع طريق التنمية، وشبكة الطرق السريعة، سيجعل من المحافظة أحد أهم المراكز اللوجستية في العراق خلال السنوات المقبلة.
ومع اقتراب استكمال المتطلبات الفنية والتشغيلية، تبدو الأنظار متجهة إلى مطار الموصل بوصفه مشروعاً يتجاوز إعادة بناء منشأة دمرتها الحرب، ليصبح أحد أبرز رموز تعافي نينوى، وبوابة جديدة لاقتصاد يسعى إلى استعادة مكانته على خارطة التنمية العراقية.