«تصفير» الدين العام في مصر.. خبير مصرفي يطرح خريطة طريق غير تقليدية
على مدار الأيام الأخيرة، تصاعدت تعهدات الحكومة المصرية بخفض الدين العام إلى أدنى مستوياته منذ نصف قرن، وتخفيف العبء المتزايد لخدمة الديون عن الموازنة العامة.
وفي هذا السياق، عاد مقترح «تصفير الدين المحلي» إلى واجهة النقاش الاقتصادي، بوصفه أحد السيناريوهات غير التقليدية لإعادة هيكلة المالية العامة، وتحويل عبء الديون إلى محرك استثماري.
وكان رئيس مجلس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي قد أكد، في أكثر من مناسبة، أن الدولة دخلت بالفعل المسار التنازلي للدين العام، وأن السنوات القليلة المقبلة ستشهد تراجعا تاريخيا في نسب الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي، مشددا على أن الهدف لم يعد فقط تحقيق «الاستدامة»، بل تحرير الموازنة من كلفة خدمة الدين لصالح الإنفاق الاجتماعي والاستثماري.
ووفقا لآخر البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة المالية والبنك المركزي المصري، بلغ إجمالي الدين العام في مصر نحو 14.95 تريليون جنيه بنهاية يونيو/حزيران 2025، حيث يمثل الدين المحلي الجزء الأكبر بنحو 11.06 تريليون جنيه، بينما بلغ الدين الخارجي نحو 161.2 مليار دولار خلال الفترة نفسها.
وفي هذا السياق، تقدم الدكتور عز الدين حسانين، الخبير المصرفي وأستاذ التمويل والاستثمار، بمقترح متكامل لإعادة هيكلة الدين المحلي الحكومي، يعتمد على الصندوق السيادي المصري كذراع استثماري مستقل، بما يسمح – وفق رؤيته – بتحويل الدين العام المحلي إلى «صفر» تدريجيا خلال عامين أو أقل حال التنفيذ الفوري.
وحاورت «العين الإخبارية» الخبير المصرفي حول المقترح لكشف كامل تفاصيله ومناقشته.
وردا على سؤال «العين الإخبارية» حول مدى واقعية الحديث عن «تصفير» الدين المحلي في ظل الأرقام الحالية، قال عز الدين حسانين إن تعهدات الحكومة بخفض الدين لم تعد مجرد تصريحات سياسية، بل باتت تستدعي أدوات تنفيذ غير تقليدية.
وأضاف أن تصريحات رئيس الوزراء، التي ربطت خفض الدين بتراجع تكلفة الفائدة وتحرير الموارد لصالح المواطن، تعكس إدراكا رسميا بأن المشكلة الحقيقية لا تكمن في حجم الدين بقدر ما تكمن في خدمة الدين، التي تلتهم الجزء الأكبر من إيرادات الموازنة.
وأوضح حسانين أن مقترحه لا يتعارض مع هذا التوجه، بل يوفر آلية تنفيذية عملية لتحقيقه، من خلال فصل الدين المحلي عن الموازنة العامة التقليدية، ونقله إلى كيان استثماري مملوك للدولة، قادر على خدمة التزاماته ذاتيا من أرباح أصوله.
جوهر الفكرة
وحول جوهر المقترح، أوضح حسانين أن الفكرة تقوم على مقايضة الدين المحلي المملوك للبنوك والمؤسسات المالية، والمتمثل في أذون وسندات الخزانة، بأسهم ممتازة في شركة قابضة للأصول الاستراتيجية، تنشأ تحت مظلة الصندوق السيادي المصري.
وأضاف أن هذه الشركة القابضة ستضم محفظة من الأصول الحكومية ذات الإيرادات المستقرة في قطاعات حيوية، مثل الكهرباء والبترول والغاز والمياه والاتصالات والنقل، إلى جانب أصول عمرانية مختارة، وحصص في بعض البنوك الحكومية، على أن تزيد القيمة الإجمالية لهذه الأصول على حجم الدين المنقول بنسبة لا تقل عن 110%.
وأشار إلى أن هذا التحول يغير طبيعة العلاقة بين الدولة والجهاز المصرفي من علاقة «مدين ودائن» إلى شراكة استثمارية، حيث تتحول الفوائد الثابتة إلى توزيعات أرباح، دون الإضرار بالمراكز المالية للبنوك.
هل يختفي الدين فعليا؟
وردا على تساؤلات حول ما إذا كان الدين «يختفي» فعليا أم يتم فقط نقله من جهة إلى أخرى، قال حسانين إن المقترح يجب قراءته على مستويين.
وأوضح أن الدين يختفي من الموازنة العامة للدولة، وبالتالي تتحسن مؤشرات الدين الحكومي الرسمية، مثل نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي، ونسبة خدمة الدين إلى الإيرادات، وهو ما يبعث برسالة إيجابية للأسواق والمؤسسات الدولية.
وأضاف، في الوقت نفسه، أن الدين – من منظور اقتصادي كلي أوسع – لا يختفي بالكامل، لكنه يتحول إلى دين «هيكلي» على ذراع استثماري مملوك للدولة، يمتلك أصولا منتجة تغطي التزاماته وتولد التدفقات النقدية اللازمة لخدمته، بدلا من تحميلها مباشرة على الخزانة العامة.
سيادة الدولة
وحول المخاوف المرتبطة ببيع الأصول أو فقدان السيطرة على الشركات الاستراتيجية، شدد حسانين على أن المقترح لا يمثل برنامج تخارج حكومي ولا بيعا للأصول، وإنما نقل ملكية داخل أجهزة الدولة نفسها.
وأكد أن الصندوق السيادي كيان مملوك بالكامل للدولة، وأن المقترح ينص صراحة على احتفاظ الدولة – عبر الصندوق – بالأغلبية التصويتية الحاكمة في الشركة القابضة، بما لا يقل عن 51%، مع إمكانية استخدام أدوات حماية إضافية، مثل الأسهم الذهبية أو حقوق الفيتو على القرارات الاستراتيجية.
وأضاف أن دخول البنوك والمؤسسات المالية سيكون عبر أسهم ممتازة ذات أولوية في الأرباح، وغالبا دون حقوق تصويت مؤثرة، بما يضمن بقاء القرار الاستراتيجي بيد الدولة.
عائد مضمون وسيولة محفوظة
وفيما يتعلق بتأثير المقترح على استقرار الجهاز المصرفي، أوضح حسانين أن التصميم المالي للخطة ينطلق أساسا من حماية البنوك، وليس الضغط عليها.
وأشار إلى أن الأسهم الممتازة المقترحة تضمن حدا أدنى للعائد لا يقل عن سعر الإيداع لليلة واحدة لدى البنك المركزي المصري، مع التزام بالسداد ربع السنوي، بما يحافظ على مؤشرات السيولة وكفاية رأس المال.
وأضاف أن المقترح يتضمن كذلك حق تسييل الأسهم الممتازة في أي وقت، سواء بإعادة بيعها للصندوق السيادي أو تحويلها إلى دائن آخر، وهو ما يمنع تجميد أموال البنوك ويجعل الأداة الجديدة أكثر مرونة من أدوات الدين التقليدية.
ولتوضيح الصورة، ضرب حسانين مثالا افتراضيا بتحويل 5 تريليونات جنيه من الدين المحلي إلى الشركة القابضة، مقابل نقل أصول حكومية بقيمة 5.5 تريليون جنيه، بما يوفر هامش أمان إضافيا.
وأوضح أن هذا الإجراء، حال تنفيذه، سيؤدي إلى تحرير الموازنة العامة فورا من عبء هذا الدين، مع تحسن جذري في مؤشرات الاستدامة المالية، وتوفير موارد ضخمة يمكن إعادة توجيهها للإنفاق على الصحة والتعليم ودعم المواطن.
وأكد عز الدين حسانين أن تعهدات الحكومة بخفض الدين إلى أدنى مستوياته منذ 50 عاما لن تتحقق بالمسار التقليدي وحده، بل تحتاج إلى حلول مبتكرة تعيد تعريف الدين العام ذاته.
وأشار إلى أن مقترح إعادة هيكلة الدين المحلي عبر الصندوق السيادي يمثل فرصة حقيقية للانتقال من مرحلة «إدارة الأزمة» إلى مرحلة إدارة الثروة، بشرط توافر الإرادة السياسية، والحوكمة الصارمة، والتقييم العادل للأصول.
وقال إن الكرة الآن في ملعب صانع القرار لاختبار جدوى هذا المسار «الخارج عن الصندوق»، وتحويله من ورقة فنية إلى سياسة مالية قابلة للتنفيذ.
aXA6IDIxNi43My4yMTYuODQg جزيرة ام اند امز