ناشطة بيئية: المساجد الخضراء تسهم في التحول العالمي النظيف
شهد العالم ارتفاعًا مطردًا في درجات الحرارة خلال السنوات الأخيرة؛ نتيجة تفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري، ما زاد الاهتمام بالتحوّل نحو مصادر الطاقة المتجددة؛ دعمًا لأهداف التنمية المستدامة.
وتحمل المساجد دلالات روحانية تحث على العمل البيئي للحفاظ على بيئتنا الأرض وحفظ مواردها واستدامتها؛ فظهر مفهوم المساجد الخضراء، التي تسعى إلى ترشيد استهلاك الموارد الطبيعية وتقنين الطاقة عن طريق الاعتماد على مصادر الطاقة النظيفة والمتجددة، ما يُقلل الأثر البيئي لها، وفي نفس الوقت، يساهم في تعزيز ورفع الوعي المجتمعي بأهمية الحفاظ على البيئة والموارد.
مع ذلك، تبرز العديد من التحديات لتحويل أغلب المساجد إلى مساجد خضراء؛ خاصة مع اتساع الفجوة التمويلية، لكن يظهر التمويل الإسلامي كأمل يلوح في الأفق لدعم المساجد الخضراء. وفي هذا الصدد، حاورت العين الإخبارية منسقة الحملات والتواصل العالمي في مشروع «أمة لأجل الأرض»، نهاد عواد، للحديث عن أبرز تحديات لدعم توفير الطاقة المتجددة للمساجد ودور التمويل الإسلامي.
إليكم نص الحوار..
1- لماذا يصعب توفير الطاقة المتجددة لأغلب المساجد؟
تبرز تحدّيات عدّة تقنيّة وماديّة تقف عائقًا أمام توفير الطّاقة المتجدّدة للمساجد منها طبيعة الاستهلاك الطّاقوي المتقطّع والتّكلفة الأوّليّة والعوائق الهندسيّة والمعماريّة وضعف الصّيانة.
إنّ المساجد هي أكثر من دور عبادة تستهلك الطّاقة لتأدية دورها، إذ بإمكانها أن تكون مراكز قيادة روحيّة ومجتمعيّة وبيئيّة. لذلك، فإنّ تحدّيات تحويل المساجد إلى الطّاقة المتجدّدة تتجاوز العقبات التقنيّة والهندسيّة لتشمل أبعادًا ثقافيّة وتمويليّة وتوعويّة ترتبط بالعدالة المناخيّة ومفهوم الخلافة البيئيّة.
2- ما أبرز تحدّيات توفير الطّاقة المتجدّدة للمساجد؟
سأركّز في إجابتي على تسميّة التحدّيات من منظور تحالف أمّة لأجل الأرض وضمن قالب العمل البيئي والمناخي. إليكم البعض منها:
تحدّي التّمويل الإسلامي الأخضر: تفتقر الكثير من المجتمعات المسلمة، لا سيّما تلك المتواجدة في دول الجنوب العالمي الأكثر تضرّرًا من أزمة المناخ، إلى آليات تمويل مستدامة تتيح للمساجد الانتقال إلى الطّاقة النّظيفة. وبالتّالي تبرز الحاجة إلى إعادة تفعيل وتوجيه أدوات التمويل الإسلامي التقليديّة لتغطية التّكاليف الأوليّة لأنظمة الطّاقة المتجدّدة باعتبارها خطوةً مستدامةً نحو حماية الأرض والإنسان.
تحدّي الفجوة التّوعوية وضعف التّربية البيئيّة: هناك غياب في الرّبط ما بين التّعاليم الإسلاميّة المتعلّقة بالعمل البيئي مثل الأمانة والميزان وعدم الإسراف وبين التّطبيق الفعلي على أرض الواقع داخل المساجد، ممّا يتطلب تدريب وتأهيل الأئمّة والخطباء لترجمة هذه النّصوص الرّوحية إلى خطاب بيئي معاصر يرفع وعي المصلّين حول أهميّة الطّاقة المتجدّدة وترشيد الاستهلاك.
تحدّي تحويل المساجد إلى نموذج مجتمعي مُلهم: تواجه المبادرات البيئيّة عقبة حصر مشاريع الطّاقة المتجدّدة في إطارها التّقني دون الاستفادة من عمقها الدّعوي والاجتماعي، بينما يرى المنظور البيئي الإسلامي أنّ الهدف الحقيقي من هذه المشاريع هو جعل المساجد مركزًا قياديًا يُلهم المصلّين وأهالي المجتمع لنقل تجربة الطّاقة النّظيفة إلى منازلهم ومؤسّساتهم.
تحدّي تغييب دور العبادة عن السّياسات المناخيّة: تواجه المساجد تهميشًا في معظم الخطط الوطنيّة الكبرى للتحوّل الطّاقوي، إذ أنّها غير مشمول بالتّسهيلات اللازمة لربط فائض طاقتها بالشّبكة العامّة بسلاسة. وبالتّالي، يجب العمل على الاعتراف بـالمساجد والمؤسّسات الدينية كشركاء فاعلين مستقلّين في تحقيق العدالة المناخيّة وأهداف التّنمية المستدامة.
3- كيف يمكن للتمويل الإسلامي أن يساهم في تمويل التّحوّل نحو المساجد الخضراء؟
عندما يركّز قطاع التّمويل الإسلامي على الاستثمار في مشاريع خضراء ومستدامة، يستطيع أن يكون فاعلًا في توفير الأدوات والأصول اللّازمة للتحوّل نحو المساجد الخضراء. إحدى هذه الأدوات هي الوقف الأخضر مثلًا، ومن خلاله يمكن تخصيص أراضٍ أو أصول ريعيّة يُوجّه دخلها لتركيب وصيانة أنظمة الطّاقة المتجدّدة للمساجد. أمّا الصّكوك الخضراء فيمكن تطويعها لجذب الاستثمارات للمشاريع البيئيّة، بالإضافة إلى تفعيل صناديق الزّكاة والتبرّعات المستدامة باعتبار حماية البيئة والتّصّدي لأزمة المناخ تندرجان تحت مصالح الأمّة العامّة وحفظ النّفس والمال. تتيح هذه الأدوات الماليّة سدّ الفجوة التمويليّة عبر تحويل العمل الخيري التّقليدي إلى استدامة طويلة الأجل.
4- وهل ينجذب المستثمرون لدعم تلك المشاريع؟
نعم، إنّ هذه المقاربة تُحفز جذب المستثمرين الأخلاقيين على دعم هذه المشاريع المتجدّدة نظرًا لما تحقّقه من عائد بيئي واقتصادي واجتماعي مجزٍ. وفي نهاية المطاف، يُمكّن التّمويل الإسلامي الأخضر المساجد من المساهمة في خريطة التّحوّل إلى الطّاقة النّظيفة، ممّا يرفع العبء المالي عن كاهل إدارتها ويحوّلها إلى نماذج حيّة للاقتصاد الأخضر المستدام.