جبهة جديدة من إسطنبول.. رهان الدول النامية في معركة المناخ
تسعى الدول النامية إلى توحيد مواقفها قبيل مؤتمر المناخ COP31، في محاولة لتعزيز نفوذها التفاوضي، وحشد الدعم لملفات التمويل والتكيف والانتقال العادل للطاقة والخسائر والأضرار.
بدأت القصة في يونيو/حزيران من عام 1997، عندما اجتمعت 8 دول نامية في إسطنبول بتركيا، وهي: بنغلاديش، ومصر، وإندونيسيا، وإيران، وماليزيا، ونيجيريا، وباكستان، وتركيا.
وكان الهدف من ذلك الاجتماع تكوين "مجموعة الدول الثماني النامية" (D-8)، وتوقيع إعلان إسطنبول؛ بهدف تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري بين الدول الأعضاء، وتحسين مكانتها في الاقتصاد العالمي، ودعم التنمية المستدامة.
وبعد مرور نحو 29 عامًا، قررت الدول الثماني عقد أول اجتماع وزاري لوزراء البيئة بمجموعة الدول الثماني النامية، يوم 17 يوليو/تموز 2026. لكن هذه المرة، اجتمعت الدول بهدف رئيسي، هو الاستعداد للدورة الحادية والثلاثين من مؤتمر الأطراف المعني بتغير المناخ (COP31)، الذي تستضيفه تركيا في مدينة أنطاليا في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، على أن تتولى أستراليا رئاسة المفاوضات.
وتجدر الإشارة إلى أن من بين مجموعة الدول الثماني النامية مصر، التي استضافت الدورة السابعة والعشرين من مؤتمر الأطراف المعني بتغير المناخ (COP27) في مدينة شرم الشيخ عام 2022. كما استضافت إندونيسيا الدورة الثالثة عشرة من مؤتمر الأطراف المعني بتغير المناخ (COP13) في مدينة بالي عام 2007.
أما بقية الدول، فلم تستضف المؤتمر، لكنها وقعت على اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (UNFCCC) واتفاق باريس، ويشارك مندوبوها سنويًا في مفاوضات مؤتمرات الأطراف المعنية بتغير المناخ. وتبرز مصر باعتبارها الدولة الأقرب، ضمن دول المجموعة، إلى استضافة المؤتمر، فيما تستعد تركيا حاليًا لاستضافة COP31.

الاستعداد لـCOP31
تضمنت نقاشات الاجتماع الوزاري، الذي استضافته إسطنبول خلال الشهر الجاري، العديد من المناقشات حول تفاصيل الاستعداد لأبرز الملفات المطروحة في COP31. وقد انعقد الاجتماع تحت شعار: "الاستعداد لـCOP31: تعزيز تنفيذ العمل المناخي من خلال التعاون الدولي".
وترأس الاجتماع وزير البيئة التركي والرئيس المعيَّن لـCOP31، مراد كوروم. وتجدر الإشارة أيضًا إلى أنه قبل الاجتماع بيوم، الموافق 16 يوليو/تموز، اجتمع كبار المسؤولين تمهيدًا للاجتماع الوزاري.

وناقش الوزراء العديد من الملفات، من بينها:
1- التآزر بين الدول النامية
تشهد كواليس المفاوضات المناخية العديد من الصراعات؛ فالأمر لا يتعلق فقط بمناقشة الملفات المناخية المهمة لمواجهة ظاهرة تغير المناخ، بل يمتد أيضًا إلى التكتلات والصراعات الجيوسياسية والمصالح المشتركة، فضلًا عن تباين المواقف، وهو ما يؤثر سلبًا في الدول النامية، وبالتالي تتأثر دولنا العربية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، خاصة أنها من أكثر مناطق العالم تأثرًا بالتغيرات المناخية.

لذلك، تزداد الحاجة يومًا بعد يوم إلى توحيد المواقف بين الدول النامية. ولأن نظام اعتماد القرارات في مفاوضات المناخ يقوم أساسًا على التوافق، أي الإجماع الكامل بين الدول الأطراف على القرار، فإن ذلك يتطلب توحيد الموقفين الدبلوماسي والتفاوضي بين الدول النامية، لتحقيق أقصى استفادة من المفاوضات، والضغط على الأطراف للموافقة على القرارات الداعمة للدول النامية.
وفي هذا الصدد، يقول المنسق المصري السابق لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، هشام عيسى، لـ"العين الإخبارية"، إن "إعلان إسطنبول الصادر عن مجموعة الدول الثماني النامية (D-8) يمكن أن يعزز موقف الدول النامية في مفاوضات تمويل المناخ من خلال توحيد الرؤية والمطالب، بدلًا من التفاوض بصورة فردية". وهذا من شأنه أن يرفع مستوى التعاون بين الدول النامية في قضايا العمل المناخي.
ويضيف عيسى: "كما يمنح الإعلان الدول الأعضاء منصة للتنسيق داخل مؤتمرات المناخ، بما يسمح بتشكيل كتلة تفاوضية أكثر تأثيرًا، خاصة عند التنسيق مع مجموعات أخرى، مثل مجموعة الـ77 والصين (G77+China)، ومجموعة الدول الأفريقية، ومجموعة الدول العربية. وهذا يزيد الضغط السياسي على الدول المتقدمة للوفاء بالتزاماتها المالية، ونقل التكنولوجيا، وبناء القدرات".

2- ملف التكيّف المُعقّد
بعد خيبة الأمل التي شهدها اجتماع بون 2026، في يونيو/حزيران الماضي، بشأن مفاوضات التكيّف، بات على COP31 أن يتولى مسؤولية دفع هذا الملف إلى الأمام، خاصة أن التكيّف المناخي يُعد من أهم الملفات التي تحظى باهتمام الدول النامية؛ لمواكبة التغيرات المناخية والتكيف معها في مختلف القطاعات، وإلا ستتضرر اقتصاداتها، ويصبح سكانها في مواجهة الكوارث الطبيعية الناتجة عن تواتر الظواهر الجوية المتطرفة المرتبطة بتسارع تغير المناخ الذي يشهده العالم خلال هذه المرحلة.
ولا يتحقق التكيّف إلا بتوفير تمويل ضخم. وقد كشف تقرير فجوة التكيّف الأخير، الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة في نهاية عام 2025، عن وجود فجوة تمويلية كبيرة في تمويل التكيّف المناخي، وقدّر احتياجات الدول النامية إلى تمويل يفوق التدفقات الحالية لتمويل التكيّف بما يتراوح بين 12 و14 ضعفًا.

وبالنظر إلى المواقع الجغرافية للدول الثماني النامية، نلاحظ أنها من أكثر المناطق تأثرًا بالتغيرات المناخية، ما يعني أنها بحاجة ماسة إلى تمويل التكيّف. لذلك، حرص وزراء تلك الدول على مناقشة عدد من القضايا المتعلقة بالتكيّف خلال اجتماعهم في إسطنبول، ومن بينها كيفية التكيّف مع موجات الحر والجفاف والفيضانات وتهديدات الأمنين الغذائي والمائي، واتفقوا على إعداد "إطار عمل للتكيّف مع تغير المناخ للفترة 2026-2030".
3- تمويل المناخ
يعد تمويل المناخ أكثر ملفات العمل المناخي تعقيدًا، إذ تتجادل الدول الأطراف كل عام، خلال مفاوضات المناخ، حول آليات التمويل، ومن يتحمل مسؤولية توفيره. كما تستعرض الأطراف احتياجاتها والظروف الاقتصادية التي تمر بها.
ويأتي اجتماع الدول الثماني النامية في إسطنبول خلال مرحلة حرجة يشهد فيها العالم حروبًا ونزاعات بين قوى دولية كبرى، مثل الحرب الروسية-الأوكرانية، والحرب الإيرانية-الأمريكية، وهو ما يؤدي إلى توجيه الموارد المالية نحو الحروب، على حساب أولويات تمويل العمل المناخي، فضلًا عن أن تلك الحروب تمثل عائقًا أمام نمو الاقتصاد العالمي.

ومع ذلك، لا تزال الأطراف تأمل في الحفاظ على التركيز على قضية تمويل المناخ، باعتبارها القضية المحورية في مفاوضات المناخ بصفة عامة. ويأتي إعلان إسطنبول لدعم مسار تطوير ملف التمويل.
ويشير هشام عيسى إلى إعلان إسطنبول، قائلا: "يعكس الإعلان توافقًا بين عدد من الاقتصادات النامية الكبرى على أن تمويل المناخ يجب أن يكون جديدًا، وإضافيًا، وميسرًا، وقائمًا على مبدأ المسؤوليات المشتركة ولكن المتباينة، وليس مجرد إعادة توجيه لمساعدات التنمية التقليدية أو قروض تزيد من أعباء الديون".

4- الخسائر والأضرار
ناقشت الدول الثماني النامية، خلال اجتماعها في إسطنبول، قضية الخسائر والأضرار أيضًا. فمنذ الموافقة على تفعيل صندوق الخسائر والأضرار في شرم الشيخ خلال COP27، وإطلاق الصندوق في إكسبو دبي خلال الساعات الأولى من COP28، واجه الصندوق العديد من التحديات المتعلقة بتفعيله وفق آليات أكثر كفاءة وفاعلية خلال مؤتمرات الأطراف اللاحقة، خاصة مع تشدد بعض الدول المتقدمة واعتراضها على دعم الصندوق، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، التي عرقلت تقدم المفاوضات بشأنه خلال COP29 في أذربيجان، قبل انسحابها لاحقًا من اتفاق باريس.

ومع ذلك، تصر الدول النامية على دعم صندوق الخسائر والأضرار، وفي إسطنبول، ناقشت الدول الثماني النامية احتياجات الدول الأكثر تعرضًا لتأثيرات التغيرات المناخية، وأكدت أهمية تفعيل آليات دعم الدول المتضررة من الكوارث المناخية.
5- الانتقال العادل للطاقة
تشتهر تركيا بدعمها للطاقة النظيفة والمتجددة ضمن خططها الوطنية، ومن المتوقع أن يحظى ملف الانتقال العادل للطاقة بحضور قوي على أجندة COP31.
وتجدر الإشارة إلى أن العالم شهد بالفعل تطورًا كبيرًا في التحول نحو الطاقة المتجددة، خاصة بعد تعهد الأطراف، خلال COP28 في دولة الإمارات العربية المتحدة، بمضاعفة قدرات الطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة 3 مرات بحلول عام 2030. كما شهد عام 2025 زيادة واضحة في مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، دعمًا للتحول العالمي في قطاع الطاقة.

وقد ناقشت الدول الثماني النامية، في إسطنبول، سبل تعزيز التعاون في مجالات الطاقة المتجددة والطاقة النظيفة، وتبادل الدعم والخبرات بين الدول النامية، بما يسهم في تسريع الانتقال إلى مصادر الطاقة المتجددة وخفض انبعاثات غازات الدفيئة.
6- تبادل الخبرات
دعما لفكرة تبادل الخبرات وتعزيز التعاون بين الدول الثماني النامية، طُرح في إسطنبول مقترح لإنشاء "منصة D-8 للتعاون البيئي والمناخي"، التي تدعم تبادل المعرفة والخبرات، وتعزز تنسيق المشاركة الجماعية لدول المجموعة في COP31، بما يسهم في دعم مواقفها خلال مفاوضات المناخ المقبلة.

وشهد الاجتماع أيضا إطلاق "مبادرة إسطنبول للعمل المناخي والتنمية المستدامة"، التي تُعد إطارًا طوعيًا لتعزيز التعاون بين الدول الثماني في مجالات متعددة، من بينها: الاستثمار، والتكيّف، والتعاون التكنولوجي، وإقامة شراكات لتعزيز القدرة على الصمود.
أداة للنفوذ؟
لكن يبقى السؤال الأهم: هل يمكن أن يحقق هذا التآزر بين الدول الثماني النامية تقدمًا في مفاوضات COP31؟ وبعبارة أخرى، هل تستطيع هذه الدول تحقيق أهدافها خلال المؤتمر المقبل، رغم أن نظام اتخاذ القرارات في مؤتمرات الأطراف المعنية بتغير المناخ يقوم على مبدأ التوافق، كما أشرنا سابقًا، أم أن تأثيرها سيظل محدودًا؟

يجيب هشام عيسى، عن هذا التساؤل، قائلًا: "قدرة إعلان إسطنبول على تغيير ميزان التفاوض ستظل مرتبطة بمدى نجاح دول D-8 في تحويل مواقفها المشتركة إلى تحالفات أوسع داخل اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (UNFCCC)، لأن قرارات التمويل المناخي تُحسم عادة بتوافقات تشمل كتلًا تفاوضية أكبر. وبالتالي، فإن الإعلان يمثل أداة لتعزيز النفوذ التفاوضي، وليس بديلًا عن التحالفات التقليدية للدول النامية".

ويختتم عيسى حديثه إلى "العين الإخبارية" قائلًا: "إعلان إسطنبول لا يغيّر ميزان القوى بمفرده، لكنه يقوي الصوت الجماعي للدول النامية، ويزيد قدرتها على الضغط من أجل تمويل مناخي أكثر عدالة وقابلية للوصول، خاصة إذا جرى توظيفه ضمن تحالفات أوسع في مفاوضات المناخ."