إشراف قنفود لـ«العين الرياضية»: هذه وصفة تعافي دياز من صدمة «بانينكا»
تعد المعدة النفسية إشراف قنفود عنصرا فاعلا في كرة القدم التونسية، حيث تولت مهمة الإعداد الذهني في بعض الفرق المحلية والمنتخبات الوطنية.
وكانت بداياتها في عالم كرة القدم، عندما ساعدت معز حسن، حارس المرمى الأسبق لـ"نسور قرطاج"، على التعافي من الصدمة النفسية التي عانى منها إثر ابتعاده عن الملاعب لفترة طويلة من جراء الإصابة التي تعرض لها في مباراة إنجلترا ضمن منافسات كأس العالم "روسيا 2018"
وبالاستعانة بالتنويم المغناطيسي، عقدت معه عدة جلسات علاج مكنته من التغلب على حاجز الخوف وبالتالي العودة إلى الملاعب مجددا.
سابقة معز حسن، فتحت أمامها أبواب التعامل مع بعض نجوم منتخب تونس، حيث تكفلت بتطوير الجوانب الذهنية في شخصيتهم.
وفي هذا الصدد، تكفلت بالإحاطة النفسية بفرجاني ساسي، النجم الأسبق لنادي للزمالك المصري واللاعب الحالي لفريق الغرافة القطري.
وشغلت إشراف قنفود منصب المعدة الذهنية لفريق الملعب التونسي، قبل أن يستعين بها الاتحاد التونسي لكرة القدم للاشتغال مع المنتخب الأول خلال تصفيات كأس العالم قطر 2022 وأيضا مع منتخب الشباب خلال كأس العالم تحت 20 عاما التي أقيمت الأرجنتين عام 2023.
وفي مقابلة خاصة مع "العين الرياضية"، تحدثت إشراف قنفود عن العوامل النفسية التي طبعت المباراة النهائية لكأس أمم أفريقيا 2025 بين المغرب والسنغال، بجانب تحليل الأسباب التي جعلت إبراهيم دياز يسدد ركلة الجزاء بتلك الطريقة الغريبة، وأيضا طرق تعافيه من الصدمة التي تعرض لها بعد تسببه في ضياع اللقب عن منتخب بلاده.
منتخب المغرب وضغط "تصحيح التاريخ"
في إجابة عن سؤال وجه إليها بخصوص مدى تأثير الضغط النفسي على منتخب المغرب بسبب غياب اللقب القاري عن خزائنه لفترة نصف قرن، قالت المعدة النفسية التونسية: "من منظور الأداء العصبي، الإجابة واضحة وهي نعم، حيث أن غياب اللقب منذ عام 1976 لا يمثل مجرد إحصائية، بل يشكل عبئا إدراكيا إضافيا. فبدلا من خوض المباراة من أجل الفوز، لعب أسود الأطلس من أجل "تصحيح التاريخ"، وهذا الأمر حول عملية التركيز من الفوز بالمباراة إلى الرغبة في دخول التاريخ، وهو العامل الأول لفقدان الفعالية".
وتابعت: "من جهة أخرى، تظهر علوم الرياضة أن التواجد الجماهيري الكبير يمكن أن يتحوّل إلى "عبء" في المباراة النهائية. ويُعرف هذا بـ "العيب المنزلي" في علم النفس الاجتماعي، حيث يشعر اللاعبين بالخوف من خذلان الجماهير مما يزيد من إفراز الكورتيزول (هرمون التوتر)، وهو ما يؤثر على دقة الحركات وسرعة اتخاذ القرار".
وواصلت :"كان واضحا من مجريات المباراة أن المنتخب المغربي كان يعاني من مشكل التيقّظ المفرط، وهذا يعني أن القشرة الجبهية الأمامية (المسؤولة عن التفكير والخوف من الأخطاء) سيطرت على الحركات التلقائية. فاللاعب "يفكر" في حركته بدل أن "يعيشها"، مما يخلق تأخرًا بسطًا في ردود الفعل لكنه حاسم أمام فريق سنغالي كان يعتمد على ردود الفعل التلقائية".

توقف المباراة أضاع تركيز لاعبي المغرب
وحول مدى تأثير توقف المباراة على تركيز لاعبي المغرب، قالت إشراف قنفود: "بطبيعة الحال، توقف المباراة تسبب في زعزعة الاستقرار النفسي لدى نجوم المغرب، فدماغ اللاعب كان مبرمج بيولوجيا على دورات جهد لمدة 45 دقيقة. وعند توقف اللعب فجأة لمدة 20 دقيقة، يحدث قصور واضح في الأداء".
وأضافت: "في المقابل، كان هذا التوقف مفيدا للاعبي السنغال، إذ تحول الغضب إلى وقود إضافي، كما أصبح الإحباط عملية عدائية حركية مفيدة".
وختمت: "من الواضح أن خروج منتخب السنغال من الملعب ألقى بظلاله على التحضير الذهني لمنتخب المغرب قبل اللحظة الحاسمة مباشرة".

ماذا دار في ذهن إبراهيم دياز ؟
وفي معرض تحليلها النفسي لخطوة إبراهيم دياز بتسديد ركلة الجزاء بطريقة "بانينكا"، قالت: "تعرض دياز لصراع عصبي-حركي عنيف. في لحظة انطلاقه، خضع دماغه لما يسمى بـ"انحراف اللوزة الدماغية". عادةً ما تدار ركلات الجزاء عبر العقد القاعدية (منطقة الانعكاسات المكتسبة). لكن الانتظار لمدة 20 دقيقة أعاد تنشيط القشرة الجبهية الأمامية (منطقة التحليل). بدل أن يترك جسده "يتصرف"، بدأ دماغه "يفكر" في الحركة".
وأضافت: "من خلال تسديده لركلة الجزاء بطريقة بانينكا، حاول دياز استعادة التفوق العقلي على الحارس لإخفاء فقدانه للقوة البدنية بسبب التوتر، وما بين النية وطريقة التنفيذ، حدث تردد صغير جدا أربك الإشارة العصبية، حيث بعث الجهاز العصبي إشارة متناقضة (الضرب بقوة مقابل تنفيذ الحركة بأمان)، ما أدى إلى تنفيذ ركلة بانينكا "ميتة" وبدون اقتناع".
وأتمت: "باختصار، لم يختر دياز ركلة بانينكا بجرأة، بل نتيجة تجمّد معرفي، حيث اختار الحل الأكثر بطئًا في لحظة لم تعد لديه الطاقة العصبية اللازمة للقوة".\

الوعي المفرط أضر بتركيز إبراهيم دياز
وحول مدى وعي اللاعب بالأهمية الكبيرة لركلة الجزاء تلك، قالت إشراف قنفود :"بالعكس تماما، كان دياز واعيا بما يقوم به، وهذا بالضبط ما تسبب في إخفاقه. فقد كان في حالة وعي مفرط، في علم الأداء العصبي، لا يكمن الخطر في قلة الوعي، بل في الإفراط في وعي اللاعب، حيث أن الرغبة في فك عقدة عمرها 50 عاما شبع نظامه الانتباهي بالكامل وأحدث ضغطا كبيرا في دماغه".
وتابعت: "هناك أيضا عامل عصبي آخر لعب دورا مهما في هذا الإخفاق، فخلال توقف المباراة لفترة 20 دقيقة استنزف دماغه احتياطاته من الغلوكوز نتيجة لمحاكاته الذهنية المستمرة للركلة. وعند اللحظة الفعلية للتنفيذ، تراجع الوضوح الذهني ليسدد الركلة في نهاية المطاف بدون أي اقتناع".
وختمت: "لتلخيص الأمر، لم يفتقد دياز الجدية عند تسديد ركلة الجزاء، بل افتقر إلى الموارد العصبية اللازمة للحفاظ على أسلوبه المعتاد في اللعب".

الركراركي أساء التعامل مع دياز
وفي ذات السياق، لامت المعدة النفسية التونسية، وليد الركراكي، مدرب منتخب المغرب، على توبيخه للاعب في الملعب، حيث قالت: "من منظور عصبي-إدراكي بحت، نعم، كان توقيت التوبيخ خطأً فادحا. ويسمى هذا في علم الأعصاب بـ الاعتداء على نظام منهار، في اللحظة التي أضاع فيها دياز ركلة الجزاء، كان دماغه بالفعل يمر بعاصفة من الشعور بالخجل والنقد الذاتي (انفجار للكورتيزول). وإضافة تأنيب صارم في هذا التوقيت بالذات يسبب حالة من الشلل العاطفي".
وواصلت: "دور المدرب القائد في هذه المرحلة الحرجة هو الحفاظ على الاستقرار النفسي للاعب لمنع انفصاله الكامل عن مجريات المباراة، ومنخلال توبيخ دياز علنً أو بعنف في تلك اللحظة، عزز الركراكي إحساس اللاعب بالعزلة. وهذا يعيق قدرة اللاعب على المرونة الفورية: بدل أن يركز على اللعب التالي لتصحيح الخطأ، يبقى دماغه محبوسا في الخطأ السابق خوفا من حكم المدرب".
وختمت: "تتطلب عملية القيادة عالية الأداء هدوءا بناء خلال حالة الفوضى، وصرامة داخل غرفة الملابس، لكن دون تحميل اللاعب عبء عاطفي إضافي وهو لا يزال على أرض الملعب".

استراتيجية "الراحة" خطأ كبير
وفي إجابة عن سؤال وجه إليها بخصوص مدى حاجة اللاعب لفترة راحة من أجل تجاوز أزمته النفسية، قالت إشراف قنفود: "في علم الأداء العصبي، غالبا ما تكون استراتيجية "الراحة" خطأ يرسخ الصدمة بدل أن تعالجها".
وواصلت: "الاستجابة المثالية هي إعادة اللاعب إلى اللعب بشكل متحكم وفوري، لثلاثة أسباب دقيقة جدا. أولا، عندما تترك دياز في حالة راحة، سيستمر دماغه في إعادة تجربة فشل ركلة الجزاء بشكل متكرر ما يعرف بالـ (Rumination). كلما طال الانتظار، زاد ترسيخ الفشل على مستوى المشابك العصبية.
يجب خلق تجربة إيجابية جديدة بسرعة لتقويض ذكرى الصدمة بموجة حركة جديدة، ثانيا، لتقليل حساسية الدماغ تجاه الخوف من الفشل، يجب تعريضه مجددا لموقف المنافسة، فبإعادته للملعب يثبت لجهازه العصبي أنه لا يزال قادرا على تنفيذ الحركات التلقائية رغم الخطأ السابق.
أما الراحة، فهي تؤكد أن اللاعب "معطل" أو "محطم"، ثالثا، كرة القدم رياضة جماعية، وبالتالي فإن عزل اللاعب بالراحة يزيد شعوره بالذنب والإقصاء، في المقابل فإن إعادته للعب تعني أن قيمته لا تختزل في خطأ تقني، وتعيد له مكانته القيادية من خلال التواجد داخل الملعب".

وصفة تعافي دياز
وبخصوص طريقة تعاملها مع اللاعب في صورة تكليفها بمهمة مساعدته نفسيا على تجاوز هذه الصدمة، قالت إشراف قنفود: "لن يكون عملي مجرد مواساة اللاعب، بل إعادة برمجة استجاباته العاطفية ومعالجة الأنماط العصبية المتأثرة بالصدمة بشكل عميق".
وتابعت: "في مرحلة أولى سأقوم بتحليل الفشل ليس كخطأ أخلاقي، بل كعطل ميكانيكي. من خلال عزل العوامل الخارجية (الانتظار لمدة 20 دقيقة، الضوضاء، التعب)، وهو ما سيسمح لدماغ دياز بالخروج من دائرة الشعور بالذنب والعودة إلى المنطق".
وواصلت: "في مرحلة ثانية، يجب معالجة الصدمة لمنع تثبيتها عبر تنظيف المسار العصبي للفشل، وذلك بهدف تفكيك النمط العصبي السلبي الذي تشكل أثناء ركلة البانينكا واستبداله بدائرة نجاح جديدة".
وأتمت: "في مرحلة ثالثة، سأجعله يقوم بجلسات تصور ذهني يعيد فيها تنفيذ الحركة، لكن مع نهاية ناجحة. من خلال تحفيز نفس المناطق الدماغية المستخدمة في الركلة الفعلية، يُجبر الدماغ على إعادة ترميز تجربة إيجابية. هذا يعيد برمجة الحركات التلقائية ويستعيد الثقة في الحركات الدقيقة".

كم الوقت الذي يحتاجه دياز لتجاوز الصدمة؟
وفي خاتمة حوارها مع "العين الرياضية"، تحدثت المعدة الذهنية التونسية عن الفترة الزمنية التي يحتاجها إبراهيم دياز من أجل طي صفحة هذه الصدمة، حيث قالت: "كل شيء يعتمد على سرعة معالجة الأثر النفسي للصدمة لتجنب أن يتحول إلى نمط عصبي دائم. إذا لم يتم التدخل، قد يقوم الدماغ بـ "تثبيت" هذا الفشل، مما يحوّل خطأ مؤقتا إلى هشاشة مزمنة أمام الضغط النفسي".
وتابعت: "لاعب بمستوى دياز يمتلك مرونة دماغية كبيرة. للتعافي بسرعة، وبالتالي يجب العمل على محورين رئيسيين، وهما إعادة تصنيف الذكرى (Re-categorization) من خلال نقل الحدث من النظام الحوفي (المسؤول عن المشاعر والألم) إلى الذاكرة الدلالية (مسؤولة عن الحقائق والتجربة)، وأيضا إعادة بناء الثقة العصبية من خلال تحقيق نجاحات جديدة بسرعة مع فريقه بهدف محو البيانات المشوّهة الناتجة عن صدمة كأس أمم أفريقيا".
وختمت: "إذا استفاد من هذا العمل على إعادة هيكلة الدماغ العصبية، لن يحتاج الأمر إلى أشهر، بل بضعة مباريات فقط لتجاوز الصدمة. فدماغ لاعبي النخبة مهيأ على المرونة والتعافي، بشرط عدم السماح للصدمة بتحديد أنماط التفكير المستقبلية".
aXA6IDIxNi43My4yMTYuMTQxIA== جزيرة ام اند امز