بين خفض الميزانية وكبح التضخم.. اختبار كيفن وارش في قيادة «المركزي الأمريكي»
قضى كيفن وارش معظم السنوات الـ15 الماضية ضمن فريق المنتقدين لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، وظل معارضا شرسا للمجلس، لسوء إدارته للتضخم، وتقويض استقلاليته تحت قيادة رئيسه الحالي جيروم باول.
وبصفته الآن مرشح الرئيس ترامب لخلافة جيروم باول في رئاسة البنك المركزي، يتردد سؤال هو الأبرز عما سيقوم به في حال التصديق على اختياره لهذا المنصب.
ويواجه وارش ثلاثة تحديات رئيسية فور توليه لمنصبه الجديد المحتمل وفق آراء الخبراء، أولًا، سيتعين عليه تقليص ميزانية الاحتياطي الفيدرالي بشكل ملحوظ دون إثارة اضطراب في الأسواق.
ثانيًا، سيتعين على وارش خفض التضخم في الأسواق الأمريكية، إلى 2% مع الحفاظ عليه عند هذا المستوى، وثالثًا، سيكون على وارش تحقيق ذلك دون تدخل من ترامب يمسّ باستقلالية الاحتياطي الفيدرالي.
وبحسب وول ستريت جورنال، كل هذه التحديات ستكون بالنسبة لوارش أصعب مما تبدو عليه، بالنظر لما يمارسه ترامب من محاولات التدخل في سياسة الاحتياطي الفيدرالي، واعتراضه على قرارات رئيسه الحالي جيروم باول.
الحد من توسع المهام وخفض الميزانية
المهمة الأولى التي سيتعين على وارش توليها، هي خفض ميزانية البنك الاحتياطي الفيدرالي، وبصفته محافظًا في مجلس الاحتياطي الفيدرالي من عام 2006 إلى 2011، عمل وارش مع رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي آنذاك بن برنانكي لإدارة الأزمة المالية العالمية.
بعد ذلك، استقال وارش بسبب لجوء برنانكي إلى سياسة تعرف بـ "التيسير الكمي"، ومن خلالها يتم شراء سندات بمليارات الدولارات، ممولة بإصدار احتياطيات للبنوك.
وفي الفترة بين عامي 2008 و2022، شهدت أصول مجلس الاحتياطي الفيدرالي نمو من 900 مليار دولار إلى 9 تريليونات دولار، قبل أن انخفضت منذ ذلك الحين إلى 6.6 تريليون دولار.
وبحسب "وول ستريت جورنال"، كان الهدف من التيسير الكمي هو السيطرة على أسعار الفائدة طويلة الأجل بعد الأزمة المالية، وما بعد تفشي جائحة كوفيد-١٩، وضمان امتلاك البنوك احتياطيات كافية لتمويل نفسها والحفاظ على استقرار الأسواق.
مع ذلك، عرف عن وارش أنه كان يحمل شراء السندات من قبل مجلس الاحتياطي الفيدرالي مسؤولية تشجيع الحكومة الفيدرالية على تسجيل عجز كبير في الميزانية، مما أدى إلى كبح إشارات السوق والتي ترتب عليها في النهاية إطلاق العنان للتضخم.
وقال وارش في أبريل/نيسان الماضي، "في كل مرة يتدخل فيها مجلس الاحتياطي الفيدرالي، يتوسع حجمه ونطاقه، وتتراكم المزيد من الديون، ويُساء تخصيص المزيد من رؤوس الأموال، وتُتجاوز المزيد من الحدود المؤسسية".
ويرى وراش في هذا الشأن، أنه على الاحتياطي الفيدرالي تقليص دوره في الاقتصاد، وفي هذه النقطة، يتفق معه وزير الخزانة سكوت بيسنت، الذي قاد عملية البحث عن رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي.
واتهم وارش الاحتياطي الفيدرالي العام الماضي بـ"التوسع غير المبرر في مهامه" و"ممارسة مجلسه للتضخم المؤسسي".
كبح التضخم
المهمة الثانية التي سيتعين على وارش تأديتها بنجاح، هي كبح التضخم، في ظل تضخم أساسي يقارب 3%.
بهذه النسبة، تجاوز التضخم الأساسي هدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2%، وسيكون عليه الآن تقديم خطة تقتنع بها الأسواق والإدارة الأمريكية لخفض هذه النسبة، وإقناع لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية المكونة من 12 عضوًا بالموافقة عليها.
وهنا يشار إلى أن خلفية وارش وخبراته ترتكز في مجالات القانون والمالية، وليست في الاقتصاد بالتحديد، وكذلك كان الحال مع جيروم باول، لكن الأخير تبنى بشكل سريع الإطار الاقتصادي لفريق الخبراء العاملين معه في الاحتياطي الفيدرالي.
وينظر إلى تعريف التضخم في مجمله على أنه نتاج للركود الاقتصادي، أي الفجوة بين الطلب وما يستطيع الاقتصاد عرضه، ويتضح ذلك من مؤشرات مثل البطالة، وتوقعات التضخم لدى العامة، والتي قد تتحقق من تلقاء نفسها.
ولكن وراش ينتقد باستمرار هذه النماذج والتعريفات، وينقد أيضا من يصفهم بـ "جماعة الاقتصاديين" الذين يساهمون في تطوير هذه التفسيرات ونشرها.

في الوقت نفسه، يعتمد وارش في تفسيراته الخاصة للتضخم على الانتقائية، إذ يستند أحيانًا إلى أسعار السلع والأسهم، والمعروض النقدي، والإنتاجية، والإنفاق الفيدرالي.
ويخشى البعض أن يؤدي استخفاف وارش بالاقتصاد الكلي السائد إلى اضطرابات داخلية، مما يضعه في مواجهة مع فريق العمل المتخصص في الاحتياطي الفيدرالي وأعضاء لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية الآخرين.
وقد ألمح وارش إلى ذلك، حين قال في يوليو/تموز الماضي، "ما نحتاجه هو تغيير جذري في نظام الاحتياطي الفيدرالي، وهذا لا يقتصر على الرئيس فحسب، بل يشمل طيفًا واسعًا من الأشخاص، إنه يتطلب محاسبة المسؤولين".
مواجهة رغبات ترامب وتدخلاته المحتملة
في الوقت الذي أيد فيه الكثيرون في وول ستريت ترشيح وارش، ظنًا منهم أنه سيكون أكثر استقلالية من منافسه، مستشار البيت الأبيض كيفن هاسيت، تبقى هناك مخاوف من أن يرضخ في النهاية لتدخلات الرئيس ترامب ورغباته كونه قد يصل لمنصبه الجديد بناء على ترشيح مباشر من الرئيس الأمريكي.
وكان قد وضع ترامب شرطًا أساسيًا لمرشحه لرئاسة الاحتياطي الفيدرالي وهو التعهد بخفض أسعار الفائدة.
وقد امتثل وارش لهذا الشرط، مصرحًا في أكتوبر/تشرين الأول: "بإمكاننا خفض أسعار الفائدة بشكل كبير، وبالتالي توفير قروض عقارية ثابتة لمدة 30 عامًا بأسعار معقولة".
ذلك رغم أن ترامب نفسه سبق له أن أقر بأنه إذا ارتفع التضخم، فلا بد من رفع أسعار الفائدة، ويكمن التحدي الأكبر في السياسة النقدية في توقع مسار التضخم وتعديل أسعار الفائدة وفقًا لذلك.
فإذا أشارت البيانات إلى أن الاحتياطي الفيدرالي لا ينبغي له خفض أسعار الفائدة، فهل سيتحدى وارش من منصبه الجديد رغبة ترامب؟.
رأي خبير في ترشيح "وارش"
ولتقييم كيفية تعامل وول ستريت مع اختيار ترامب، نقلت مجلة "بوليتيكو" تصريحات للخبير الاقتصادي المصري الشهير محمد العريان، وزميل وارش في مجموعة الثلاثين، والذي يحظى بشعبية واسعة في القطاع المالي.
ويرى العريان وفق تصريحاته لـ"بوليتيكو"، أن رئيس الاحتياطي الفيدرالي الحالي، جيروم باول، انتظر طويلاً قبل اتخاذ أي إجراء، وأن التغيير الأهم الذي قد يُحدثه وارش هو سرعة أكبر في اتخاذ القرارات.
ويقول العريان: "السياسة النقدية، بطبيعتها، تتطلب بعض التأني، ولا بد من وجود رؤية استشرافية".
وأضاف: "لم يتبنَّ الاحتياطي الفيدرالي هذه الرؤية الاستشرافية من قبل، وأعتقد أن ما سيحدث الآن هو أنه سيضخ دماءً جديدة في المؤسسة".
وفيما يخص الرسالة التي يوجهها هذا الاختيار إلى أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين، والمشاركين في السوق، والرؤساء التنفيذيين فيما يتعلق باستقلالية البنك المركزي تحت إدارة وارش المحتملة، قال الدكتور العريان لمجلة "بوليتيكو"،
"أعتقد أنها رسالة إيجابية، أعتقد أن الرئيس ترامب قد اختار شخصًا يتمتع بخبرة عميقة، وارش لديه خبرة واسعة، بما في ذلك عمله في الاحتياطي الفيدرالي، إنه متحدث بارع، ويدرك ضرورة إجراء إصلاحات في الاحتياطي الفيدرالي لتعزيز فاعليته".
وأضاف بقوله، "بدون إصلاحات، ستكون استقلالية الاحتياطي الفيدرالي في خطر، وارش يدرك الحاجة إلى نهج لإدارة الميزانية العمومية، وضرورة استعادة التواصل الفعال، وضرورة وجود مساءلة قوية".