اجتماع بون 2026.. تقدم محدود وتوترات جيوسياسية تُربك الطريق إلى COP31
انتهت محادثات المناخ في اجتماع بون بنتائج محدودة، وسط مخاوف من أن تعرقل التوترات الجيوسياسية التقدم في الملفات المناخية الشائكة.
بعد أسبوعين من النقاشات الحادة في مدينة بون الألمانية بين يومي 8 و18 يونيو/حزيران الجاري، خرجت الأطراف بنتائج ملموسة محدودة، بعد حالة واضحة من الجمود التي تخللت نقاشات الدبلوماسيين والوفود؛ حتى في الجلسة الختامية العامة للاجتماع، أعرب العديد من الدبلوماسيين عن أسفهم الشديد لضعف المخرجات وعدم الوصول إلى حلول واتفاقات فعّالة في بعض الملفات الشائكة مثل خفض الانبعاثات وتمويل جهود التكيّف المناخي.
وازدادت حالة الجمود تلك في ظل التوترات الجيوسياسية الحاصلة في العالم. مع ذلك، خرجت الأطراف بحزمة من النصوص والمسودات التي من المقرر عرضها في أنطاليا بتركيا خلال الدورة الحادية والثلاثين من مؤتمر الأطراف المعني بتغير المناخ (COP31) في نوفمبر/تشرين الثاني القادم. ونتناول في هذا التقرير أبرز مخرجات اجتماع بون للعام 2026.
التكيّف: خيبة أمل جديدة
شهد ملف التكيف مع تغير المناخ خلافات عديدة في أثناء محادثات بون؛ خاصة وأنّ الأطراف لم تتمكن من الاتفاق على نص لـ"الهدف العالمي للتكيف" (GGA). وبرز الانقسام بين الأطراف فيما يتعلق بالتمويل؛ إذ طالبت الدول النامية بحصولها على دعم يُساعدها في حماية نفسها من مخاطر المناخ. وعلى الرغم من أنّ نص المونتراو، من COP30، قد دعا إلى مضاعفة تمويل التكيّف للدول النامية إلى 3 أضعاف على الأقل بحلول 2035، إلا أنّ هذا الهدف لتمويل التكيف لم يشهد سوى خلافات في محادثات بون.
وفي حين أنّ الأطراف قد أكدت على ضرورة تمويل التكيف لتنفيذ الهدف العالمي للتكيف؛ خاصة في المشروعات التي تعتمد في الغالب على التمويل العام والمنح أكثر من اعتمادها على الاستثمارات الخاصة، ومن هذا المنطلق يجب إدراج هدف مضاعفة تمويل التكيف 3 مرات ضمن نص الهدف العالمي للتكيف، إلا أنّ هناك بعض الدول المتقدمة عارضت ذلك الاقتراح، وهم: كندا والنرويج واليابان.
بعد ذلك، تم تضمين تلك الإشارة في نص المسودة التي ستُقدم إلى COP31، لكنها بأقواس مربعة؛ أي قابلة للتفاوض. لكن في نهاية المطاف، لم تتمكن الأطراف من التوّصل إلى اتفاق بشأن "الهدف العالمي للتكيّف"، وخضع الملف إلى "القاعدة 16"؛ وهذا يعني ترحيله إلى COP31 بدون الاتفاق على نص، وأعرب العديد من الأطراف عن خيبة أملها إلى ما وصلت إليه المفاوضات في ملف التكيّف ووصف تحالف الدول الجزرية الصغيرة النتيجة بأنها "غير مقبولة على الإطلاق".
الانتقال العادل: تقدم ملموس
شهد ملف الانتقال العادل تطورًا خلال COP30؛ حيث اتفقت الأطراف على إنشاء "آلية للانتقال العادل"، وقد أحرزت محادثات بون تقدمًا إضافيًا في هذا الملف.
والجدير بالذكر أنّ تلك الآلية معروفة في أوساط المجتمع المدني باسم "آلية بيليم-أنطاليا" (BAM)، وتهدف إلى إنشاء منصة تجمع العمال والمجتمعات المحلية حول العالم لدعم عملية الانتقال العادل. وتندرج تلك الآلية ضمن "برنامج عمل الانتقال العادل" (JTWP). وخلال محادثات بون، تناقشت الأطراف حول "اختصاصات المراجعة"، وخرجت الأطراف بمسودة نص لتقديمها لـ COP31.

تمويل المناخ: توتر
قضى الأطراف جزءًا كبيرًا من الأسبوع الأول في ورش عمل وجلسات حوار للتناقش حول كيفية الوفاء بالالتزامات المالية التي تعهدت بها الأطراف خلال مؤتمرات المناخ السابقة، وعلى الرغم من أنّ قضية تمويل المناخ تتسبب في تعطيل جدول الأعمال لمفاوضات المناخ؛ خاصة خلال السنوات السابقة، إلا أنها لم تؤثر على جدول الأعمال في محادثات بون هذا العام، لكنها ظلت مصدرًا للتوتر.
كما تُظهر أحدث البيانات أنّ تمويل المناخ من الدول المتقدمة قد وصل إلى 136.7 مليار دولار عام 2024، لكن من بعدها تراجع الإنفاق لصالح تمويل المناخ؛ خاصة مع خروج الولايات المتحدة من اتفاق باريس، على الرغم من تعهد الدول المتقدمة في COP29 في باكو بأذربيجان بتمويل يصل إلى 300 مليار دولار.
وقد اتفقت الأطراف في COP30 على إنشاء مساحة خاصة لمناقشة المادة 9.1 تحديدًا لتمويل المناخ، وعُرفت تلك المساحة لاحقًا باسم "برنامج العمل الخاص بالمادة 9.1"، وشهدت محادثات بون عقد 3 ورش عمل تفاعلية لمناقشة برنامج العمل الجديد الخاص بتمويل المناخ. لكن تجلت الخلافات بين الدول النامية والمتقدمة، وشددت الدول النامية على ضرورة وضع خطة عمل لإلزام الدول المتقدمة لتقديم مزيد من التمويل.
برنامج عمل التخفيف: بدون اتفاق!
لم تستطع الأطراف في محادثات بون أيضًا التوّصل إلى اتفاق حول "برنامج عمل التخفيف" (MWP)؛ وهذا هو البند الوحيد في جدول الأعمال الذي يُركز على خفض انبعاثات الغازات الدفيئة تحديدًا، نتيجة لذلك خضع ملف برنامج عمل التخفيف إلى القاعدة 16؛ أي يرحل إلى COP31 مع الهدف العالمي بشأن التكيف.
وتمثل الخلاف الرئيسي في محادثات بون في أنّ بعض الأطراف تريد أن يؤدي برنامج عمل التخفيف دورًا ملموسًا في دفع خفض الانبعاثات الدفيئة، بينما تود أطراف أخرى أن يظل البرنامج مجرد مساحة لتبادل المعلومات والتواصل. وأعربت الأطراف في الجلسة الختامية عن خيبة أمل عميقة حول برنامج عمل التخفيف.
حوارات التجارة
شهدت حوارات التجارة في محادثات بون توترًا ملحوظًا؛ خاصة فيما يتعلق بآلية تعديل حدود الكربون التي فرضتها أوروبا، والتي تفرض على السلع القادمة من الدول الأخرى ضرائب مقابل البصمة الكربونية للسلع، ما يُحمل الدول النامية التي تُعاني بالفعل من أزمة المناخ، ويتضرر اقتصادها ولديها ضغوطات وأزمات أخرى.
لذلك، في بون هذا العام، انعقد أول حوار على الإطلاق حول تغيرات المناخ والتجارة خلال الأسبوع الأول من الاجتماع، وقد أنشئ هذا الحوار كجزء من مبادرة خلال COP30، لمناقشة حركة التجارة في ظل الآلية الجديدة التي فرضها الاتحاد الأوروبي، ويُعد هذا الحوار هو الأول من ضمن 3 حوارات من المقرر عقدها خلال اجتماعات بون بين عامي 2026 إلى 2028.
وعبرت الدول النامية عن أنّ تدابير التجارة المتعلقة بالمناخ قد تؤدي إلى زيادة في تكاليف الامتثال وتُقيد الوصول إلى الأسواق ولا تتماشى نهائيًا مع مبادئ الإنصاف والمسؤوليات المشتركة لكن المتباينة والقدرات المختلفة.
علوم المناخ
ظهرت خلافات كثيرة بين الأطراف خلال اجتماع بون حول إدماج العلوم المناخية في عملية الأمم المتحدة بشأن المناخ، وتبادلت بعض الأطراف الاتهامات بشأن المعلومات المُضللة وتبسيط الحقائق العلمية، كما ظهرت خلافات حول هدف اتفاق باريس بشأن عدم تجاوز متوسط درجات الحرارة العالمية 1.5 درجة مئوية، حول دور الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC).
وتجدر الإشارة إلى أنّ هناك العديد من الخلافات قد نشبت أيضًا خلال COP30 حول هدف 1.5 درجة مئوية، وأُطلقت مبادرتان تطوعيتان، وهما: "مُسرع التنفيذ العالمي" (GIA) و"مهمة بيليم لتحقيق 1.5 درجة مئوية". والهدف من هاتين المبادرتين هو دعوة الدول إلى تسريع تنفيذ تعهداتها المناخية.
وفي هذا الصدد، يُعلق خبير البيئة والمناخ، ونقطة الاتصال المصري الأسبق لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (UNFCCC) هشام عيسى؛ قائلًا لـ"العين الإخبارية": "الوصول إلى 1.5 درجة مئوية، أعتقد لن يتفق عليها أحد، لكن على العالم أن ينقذ نفسه بنفسه". ويتابع: "للأسف، إنّ الاتفاق على هذا الهدف الآن هو بمثابة حلم؛ فقبل اتفاق باريس، عندما اعتزمت الأطراف على خفض الانبعاثات عبر آلية التنمية النظيفة، كانت هناك حوافز استثمارية، لكن بعد ذلك، ضعفت الحوافز". ويُضيف مشيرًا إلى الأحداث والتوترات الجيوسياسية التي يشهدها العالم اليوم، بأنّ "الخلافات بين الدول والتوترات الجيوسياسية، تسببت في زيادة الانبعاثات أصلًا، فضلًا عن الأنشطة الأخرى".
ويختتم عيسى قائلًا: "إنّ الحلم الآن هو وصول الأطراف إلى صيغة مناسبة تُشجع الدول على الالتزام بخفض الانبعاثات، سواء الدول النامية أو المتقدمة، وإلا فالأزمات المناخية قد تزيد إلى درجة لا يستطيع الإنسان مواجهتها بعد ذلك".