ثقافة

لالَّة فاطمة نسومر.. الجزائرية التي قهرت الاستعمار الفرنسي

الجمعة 2018.6.8 03:50 مساء بتوقيت أبوظبي
  • 2728قراءة
  • 0 تعليق
لالَّة فاطمة نسومر

لالَّة فاطمة نسومر

عندما يُذكر اسم الجزائر، يتذكر كثيرون ثورة المليون ونصف مليون شهيد، أو مقاومة 8 ملايين شهيد قدموا أرواحهم ودماءهم ثمناً للتحرر من الاستعمار الفرنسي الذي دنّس أرض الجزائر طوال 132 سنة. 

ويبقى سجل تاريخ الجزائر مرصعاً بمناضلين ومناضلات، لم يقدموا أرواحهم فقط، بل قدموا الدروس في مقاومة شعب أعزل ضد أعتى قوة استعمارية في القرن العشرين، ولم يقتصر نضال وثورة الجزائريين على رجالهم فقط، فكانت النساء في الصفوف الأمامية التي أرهبت الاستعمار الفرنسي، من بينهم أيقونة النضال جميلة بوحيرد، والشهيدات: حسيبة بن بوعلي، مريم بوعتورة، مليكة بلقايد، وغيرهن.

لكن تاريخ الجزائر، لا يزال يصدح إلى يومنا هذا بأول امرأة جزائرية واجهت وناضلت ضد الاستعمار الفرنسي، وألحقت به هزائم كبرى، وجعلت جنرالات فرنسا يعدون لها جيشاً من 45 ألف جندي.

إنها المناضلة الكبيرة "لالَّة فاطمة نسومر" الملقبة بـ "خولة الجزائر" نسبة إلى بطلة المسلمين "خولة بنت الأزور"، والتي تسلحت في محاربتها للاستعمار الفرنسي بالقرآن الكريم، قبل سيفها وجيشها، ولُقبت أيضا "بأخت الرجال"، أما اسمها "نسومر" فيُنسب إلى قرية "نسومر" التي عاشت فيها طوال حياتها.

لالَّة فاطمة نْسومر

من هي لالَّة فاطمة نسومر؟

اسمها الحقيقي "فاطمة سيد أحمد"، من مواليد قرية "عين الحمام" التي تقع في منطقة القبائل بشرق الجزائر عام 1830، وهي السنة ذاتها التي شهدت احتلال الجزائر.

نشأت "لالَّة فاطمة نسومر" في عائلة سخَّرت نفسها لخدمة الإسلام، واختارت الانتماء مع إخوتها إلى "الزاوية الرحمانية" التي كان والدها "محمد بن عيسى" مشرفاً عليها ومقدمها، وكان من أشراف المنطقة وأحد أكبر سادتها علماً.

شكل لالة فاطمة نسومر في أحد متاحف الجزائر

عُرف عن "لالَّة فاطمة نسومر" حرصها على حفظ القرآن الكريم وكانت مشرفة على مدرسة حفظ القرآن الكريم في قريتها، ومواظبة على العبادة، وكانت من سيدات المجتمع الجزائري المعروفات اللواتي اخترن العزوف عن الدنيا والاعتكاف.

وأكدت عدد من الدراسات التاريخية الجزائرية أن لأخيها "الطاهر" فضلا كبيرا في أن تعلمت منه العلم الكبير من لغة وتفسير وأصول، إلى أن أصبحت فقيهة مجتمعها.

"لالَّة فاطمة نسومر".. قاهرة الاستعمار الفرنسي

عُرف عن "لالَّة فاطمة نسومر" كرهها للاستعمار الفرنسي الذي حط بأرض الجزائر محملاً بحقد كبير على الإسلام والمسلمين، ومنذ وهلته الأولى، سعى الاستعمار الفرنسي لاقتلاع الإسلام من عقول وقلوب الجزائريين، لكنه وجد في كل مرة مقاومة كبيرة تصدت لأحقاده.

أعلنت "لالَّة فاطمة نسومر" الحرب على الاستعمار الفرنسي وهي في "العشرين في عمرها" وكان ذلك عام 1850، حيث انضمت إلى مقاومة المناضل الجزائري "الشريف بوبغلة" في العام ذاته بمنطقة القبائل، وتمكنت من صد هجوم قوات الاستعمار الفرنسي على قرية "ناث إيراثن"، الأمر الذي شكّل حافزاً كبيراً لأهالي القرى المجاورة وشيوخ زواياها إلى الانضمام للمقاومة.

مقاومة الشيخ شريف بوبغلة

ونظراً لقدرتها الخارقة كما ذكرت الدراسات التاريخية على الخطابة والإقناع، تزعمت "لالَّة فاطمة نسومر" المقاومة في المنطقة عام 1854، وتزامن ذلك مع وصول قوات فرنسية كبيرة، وتمكنت من استقطاب مئات الشباب.

خاضت "لالَّة فاطمة نسومر" مع جيشها الجديد حرباً ضروساً بعد الزحف الكبير للجيش الفرنسي الذي قاده الجنرال "روندون يتشكرت"، الذي تعرض لهزيمة نكراء وتكبد خسائر بشرية فاقت 800 قتيل كما ذكرت وثائق تاريخية جزائرية.

استمرت بعدها "لالَّة فاطمة نسومر" في مقاومتها للاستعمار الفرنسي، وشنت هجومات كثيرة على مراكز وجوده في مناطق مختلفة من منطقة القبائل وحققت انتصارات كبيرة، من بينها معارك "الأربعاء، تخجلت، عين تاوريغ، توريرت موسى، براتن".

لالَّة فاطمة نْسومر

فلم تجد القوات الفرنسية المتركزة في المنطقة إلا طلب تقديم مساعدات عاجلة من السلطات الفرنسية، التي أرسلت عدداً إضافياً من الجنود ومن العتاد الحديث، ما اضطر "لالَّة فاطمة نسومر" وجيشها على الانسحاب التكتيكي إلى قرية "تاخليجت ناث عيسو".

استغل الاستعمار الفرنسي انسحاب المقاومة، ليقوم بواحدة من أبشع جرائمه في الجزائر، فقام بتدمير المنازل، وارتكب إبادة جماعية بحق سكان عدد من القرى، ولم يسلم منهم حتى الأطفال.

خلال هذه الفترة، تمكنت "لالَّة فاطمة نسومر" من تكوين مجموعات من المقاومين، عملت على ضرب قوات الاستعمار الفرنسي من الخلف، وعلى قطع طرق المواصلات، ما أدى إلى انقطاع كل أشكال الإمدادات عنها.

بعد ورود معلومات إلى قيادة جيش الاحتلال الفرنسي في مدينة قسنطينة (شرق الجزائر) عن محاصرة "لالَّة فاطمة نسومر" لجيشه في القبائل وتعرضهم لهجمات كبيرة وخسائر فادحة، قرر الجنرال الفرنسي "روندون" تشكيل أكبر قوة عسكرية لمواجهة "زعيمة المقاومة الجزائرية" قوامه "45 ألف جندياً"، في وقت كان جيش "لالَّة فاطمة نسومر" يتكون من "7 آلاف جندي".

لالَّة فاطمة نْسومر

قاد الجنرال الفرنسي الجيش بنفسه وتوجه إلى منطقة القبائل، ودخل في معركة كبيرة مع جيش "لالَّة فاطمة نسومر"، لكن الفارق الكبير بين الجيشين جعل المعركة تحسم للاستعمار الفرنسي.

طالبت "لالَّة فاطمة نسومر" من الاستعمار الدخول في مفاوضات لوقف المعارك، فوافق على طلبها، وبمجرد خروج الوفد المفاوض، غدر الاستعمار بهم وألقى القبض عليهم، ثم أمر الجنرال "روندون" بمحاصرة المكان الذين كانت توجد فيه "لالَّة فاطمة نسومر"، وقام بأسرها بعد ذلك سنة 1857، ووضعها في سجن تحت حراسة أمنية مشددة بعد أن أُبعدت إلى منطقة "تابلاط" بولاية "المدية" (شرق الجزائر) مع 30 شخصاً من أفراد جيشها، خشية تجدد المقاومة في منطقة القبائل الجزائرية، لكن الحقائق التاريخية أكدت أن المقاومة لا تكاد تنطفأ في منطقة حتى تندلع في جهة أخرى من مناطق الجزائر.

بقيت "لالَّة فاطمة نسومر" في السجن 7 سنوات كاملة، وتوفيت عام 1863 عن عمر ناهز 33 عاماً، بعد إصابتها بمرض غريب أدى إلى إصابتها بالشلل، كاتبة بذلك تاريخاً جزائرياً وعربياً مشرفاً للتحرر من الاستعمار، ويوجد قبرها اليوم في مقبرة "العالية" بالجزائر العاصمة، بعد أن قررت السلطات الجزائرية نقله من قريتها "نسومر" عام 1994.

مكان قبر لالة فاطمة انسومر قبل نقل رفاتها الى مقبرة العالية

تعليقات