هوس لابوبو تحت مجهر العلماء.. ما سر جاذبية «القبح اللطيف»؟ (خاص)
خلال السنوات الأخيرة، تحولت دمية «لابوبو» من شخصية فنية محدودة الانتشار إلى ظاهرة استهلاكية عالمية.
أثارت الدمية اهتمام علماء النفس والسلوك على حد سواء، بعدما نجحت في جذب ملايين الأشخاص رغم مظهرها الذي يجمع بين القبح واللطافة في آن واحد. هذا التناقض البصري، الذي بات يُعرف علميًا باسم "القبح اللطيف"، يقف في صميم موجة الهوس المتصاعدة بهذه الدمية.

ابتكر الفنان من هونغ كونغ كاسينغ لونغ شخصية لابوبو عام 2015، قبل أن تقوم شركة بوب مارت الصينية بتحويلها إلى منتج تجاري واسع الانتشار. غير أن الانطلاقة الكبرى جاءت في عام 2023 مع طرح سلسلة الدمى القماشية المعلقة، التي سرعان ما انتشرت في أسواق آسيا وأوروبا، مدفوعة بمقاطع فتح الصناديق على وسائل التواصل الاجتماعي ومشاركات المشاهير.
جمال غير مألوف يثير الانتباه
تتميز لابوبو بملامح غير تقليدية: أسنان بارزة، تعبيرات غامضة تجمع البراءة والشر، وملمس يجمع بين النعومة والخشونة. ورغم أن هذه الصفات قد تثير النفور في النظرة الأولى، فإنها ، وفقًا لخيري عبد المجيد، استشاري الطب النفسي بوزارة الصحة المصرية، تخلق حالة من الفضول والانجذاب التدريجي.
تشير دراسات نفسية حديثة إلى أن التعرض المتكرر لصور "القبح اللطيف" يؤدي إلى تحول في الاستجابة العاطفية، إذ تتراجع مشاعر الغرابة وعدم الارتياح لصالح الألفة والمتعة. ويُعرف هذا التحول بـ"الانقلاب المعرفي"، حيث تتحول المفاجأة الأولى إلى تجربة إيجابية أكثر رسوخا في الذاكرة.

الدماغ والمكافأة: لماذا نستمتع بالتناقض؟
ويربط عبد المجيد في تصريحات للعين الإخبارية جاذبية هذا النمط الجمالي بتنشيط دائرة المكافأة في الدماغ. فعندما يواجه الدماغ شيئًا يتحدى توقعاته، كأن يكون الشيء قبيحا ولطيفا في الوقت نفسه، يتم تحفيز إفراز الدوبامين، وهو ما يعزز الشعور بالمتعة ويقوي الارتباط العاطفي.
كما تستند هذه الجاذبية إلى مفاهيم راسخة في علم النفس، مثل تأثير مخطط الطفل الذي يفسر انجذاب البشر للملامح الطفولية، وتأثير العثرة، الذي يوضح كيف يمكن للعيوب البسيطة أن تزيد من القبول الاجتماعي بدل أن تقلله.
"الصندوق الأعمى" وتعزيز السلوك الاندفاعي
ولا يقتصر نجاح لابوبو على تصميمها فقط، بل يمتد إلى آلية تسويقها، حيث تعتمد على نظام "الصندوق الأعمى"، حيث يشتري المستهلك المنتج دون معرفة الشكل الموجود بداخله.
وهذا الغموض، المرتبط بثقافة «الغاتشا» اليابانية، يزيد من الترقب والإثارة، ويعزز الرغبة في تكرار الشراء.
وتؤكد أبحاث سلوكية أن عدم اليقين يعد عاملًا رئيسيًا في زيادة الشراء الاندفاعي، خاصة بين فئات الشباب، حيث يصبح الأمل في الحصول على «النسخة السرية» محفزا قويا لاتخاذ قرار الشراء.

وسائل التواصل ودوامة الهوس
ساهمت منصات التواصل الاجتماعي في تضخيم الظاهرة، من خلال مقاطع فتح الصناديق والمقارنات بين المجموعات، ما عزز شعور الخوف من فوات الفرصة.
وتشير دراسات إلى أن هذا الشعور لا يؤدي فقط إلى زيادة الاستهلاك، بل قد يرتبط أيضا بالإرهاق الرقمي وتراجع الرضا بعد زوال متعة الشراء.

ما الذي يكشفه هوس لابوبو؟
يرى باحثون أن نجاح لابوبو يعكس تحولًا أوسع في ثقافة الاستهلاك، حيث لم يعد الجمال التقليدي شرطًا للجاذبية، بل أصبحت الغرابة المدروسة والتناقض العاطفي أدوات فعالة لجذب الانتباه وبناء الولاء للعلامة التجارية.
وفي هذا السياق، لا تُعد لابوبو مجرد دمية رائجة، بل نموذجا يوضح كيف يمكن للعلم النفسي، والتصميم، والتسويق الرقمي أن يتكاملوا لصناعة ظاهرة عالمية تفتح الباب أمام تساؤلات أعمق حول كيفية تشكيل الرغبات البشرية في عصر الاقتصاد العاطفي.
aXA6IDIxNi43My4yMTYuMTQxIA== جزيرة ام اند امز