قائد حرس حدود أمريكا.. «نابليون الصغير» الذي صاغ فيلم طموحه
لا يزال غريغوري بوفينو، القائد العام لدائرة الجمارك وحماية الحدود الأمريكية، أحد أكثر الشخصيات إثارة للانقسام في المشهد السياسي والأمني الأمريكي.
وبحسب صحيفة التايمز البريطانية، يرى فيه مؤيدو الرئيس ترامب تجسيدًا لـ«الرجل القوي» القادر على فرض سياسات الهجرة الصارمة، فيما ينظر إليه منتقدوه باعتباره رمزًا لنهج أمني عنيف واستعراضي، تجاوز حدود إنفاذ القانون إلى ما يشبه الاستعراض العسكري، وصولًا إلى مقارنات تاريخية خطيرة بقوات الأمن الخاصة النازية، لا سيما بسبب معطفه الأخضر الطويل الذي أصبح علامة فارقة له.
حلم طفولي صاغ المسار
تعود جذور قصة بوفينو إلى فيلم الحركة الشهير "الحدود" عام 1982، الذي صوّر حرس الحدود الفيدراليين كمجموعة مسلحة تعمل بلا ضوابط أخلاقية. غير أن غريغوري بوفينو، وكان في الحادية عشرة من عمره آنذاك، رأى في شخصيات الفيلم أبطالًا يتحلون بروح الواجب والوطنية.
تلك المشاهدة، كما تروي عائلته، رسمت ملامح طموحه المبكر وأشعلت رغبته في أن يصبح حارس حدود.
لاحقًا، انضم إلى الشرطة المحلية بعد تخرجه، ثم التحق بدائرة الجمارك وحماية الحدود عام 1996، ليبدأ مسارًا مهنيًا اتسم بالصعود السريع، والعمل في وحدات تكتيكية، ثم تولي مناصب قيادية في ولايات عدة.
من الحدود إلى شوارع المدن

تحوّل بوفينو خلال إدارة ترامب إلى أحد أبرز وجوه الحملة الصارمة ضد الهجرة غير النظامية. غير أن مسرح عملياته لم يقتصر على الحدود الجنوبية، بل امتد إلى مدن في عمق الولايات المتحدة مثل شيكاغو ومينيابوليس.
هناك، ظهر في مقاطع مصورة ذات طابع سينمائي، بشعره القصير جدًا ومعطفه الزيتوني ذي الأزرار النحاسية، محاطًا بعناصر ملثمين ومدججين بالسلاح، على وقع موسيقى الميتال الصاخبة.
وقد أثار هذا الظهور انتقادات واسعة، خاصة بعد حوادث عنيفة، أبرزها مقتل أليكس بريتي، ممرضة العناية المركزة البالغة من العمر 37 عامًا، خلال مداهمة في مينيابوليس. ولفت معطف بوفينو الأنظار بشكل خاص، إذ وصفته وسائل إعلام ألمانية بأنه يحمل «مظهرًا نازيًا»، ما زاد من حدة الجدل.
جذور عائلية وماضٍ مضطرب
ومن المفارقات أن لبوفينو نفسه قصة هجرة عائلية. فقد هاجر جده الأكبر من جنوب إيطاليا عام 1909 إلى الولايات المتحدة، وغيّر اسم العائلة لاحقًا لتسهيل الاندماج.
ووُلد غريغوري كينت بوفينو عام 1970، ونشأ في بيئة أسرية صارمة، حيث علمه والده الصيد وحمل السلاح في سن مبكرة.
غير أن الأسرة تعرضت لصدمة كبرى مطلع الثمانينيات، حين تسبب الأب، أثناء قيادته تحت تأثير الكحول، في حادث أودى بحياة شابة، ما أدى إلى سجنه وتفكك الأسرة لاحقًا. وقد تركت هذه الحادثة أثرًا عميقًا في حياة بوفينو، وفق مقربين منه.
وخلال مسيرته في حرس الحدود، اكتسب بوفينو شهرته كقائد صارم في تطبيق القانون، لكنه مولع بالاستعراض. ففي إحدى المرات، دعا الصحفيين لمشاهدته وهو يسبح عبر قناة ري في جنوب كاليفورنيا، في محاولة لإظهار «خطورة» عبور الحدود أمام المهاجرين.
ووصفت جين بود، الناشطة السابقة في دوريات الحدود ومؤلفة كتاب «ضد الجدار»، بوفينو بأنه «ليبراتشي دوريات الحدود»، مضيفة: «إنه نابليون صغير يريدك أن تصدق أنه المنقذ الوحيد وسط عالم خطير… كل شيء بالنسبة له عرض تمثيلي».
اتهامات بالعنصرية وتجاوز القانون

تبنّى بوفينو استراتيجية أطلق عليها «الالتفاف والحرق»، تقوم على مداهمات مفاجئة باستخدام سيارات غير مميزة لاعتقال مشتبه بهم في أماكن عامة، مثل محطات الوقود ومتاجر الأدوات. وقد واجهت هذه التكتيكات اتهامات واسعة بالعنصرية، إذ استهدفت بشكل شبه حصري أشخاصًا من أصول لاتينية.
ورغم نفيه الاعتماد على لون البشرة، قائلاً إن عناصره يستندون إلى «مجموعة من العوامل» مثل التوتر أو السلوك العصبي، فإن منظمات حقوقية ومسؤولين محليين اعتبروا هذه التبريرات غطاءً لممارسات تمييزية.
صدام مع القضاء والسلطات المحلية
لم تسلم عمليات بوفينو من التدقيق القضائي. ففي شيكاغو، رفضت قاضية فيدرالية روايته حول تعرضه للرشق بحجر لتبرير استخدام الغاز المسيل للدموع، وخلصت إلى أنه «اعترف بكذبه».
ووصف مسؤولون محليون تلك العمليات بأنها مجرد «فرص لالتقاط الصور»، استخدمها بوفينو لاحقًا في مقاطع ترويجية.
كما تورط في قضايا تتعلق بالتحيز العنصري في الترقية داخل الجهاز، انتهت بتسوية خارج المحكمة مع وزارة الأمن الداخلي.
بطل أم رمز لانحراف خطير؟
بينما يراه مؤيدوه رجلًا قويًا يفي بوعود ترامب بحماية «أمريكا التقليدية»، يرى فيه منتقدوه، ومنهم حاكم كاليفورنيا غافين نيوسوم، تجسيدًا لانزلاق خطير نحو عسكرة إنفاذ القانون. وقال نيوسوم: «شرطة سرية، رجال ملثمون، أشخاص يختفون قسرًا دون إجراءات قانونية… هذا ليس ما تمثله أمريكا».