دماء في مينيابوليس.. ترامب يختبر حدود القوة بين إرث فلويد ومأساة بريتي
تعود مدينة مينيابوليس إلى واجهة الصراع السياسي في الولايات المتحدة، واضعة إدارة الرئيس دونالد ترامب في مواجهة مباشرة مع سؤال عن "حدود القوة".
فمينيابوليس التي تشهد اضطرابات على خلفية مقتل الممرض أليكس بريتي برصاص عملاء إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية (آيس)، تعيد إلى الأذهان موجة احتجاجات عالمية كان بطلها الأمريكي من أصل أفريقي الذي قُتل أيضًا برصاص الشرطة في المدينة نفسها، وفي عهد ترامب أيضًا.
ومنذ عودته إلى البيت الأبيض في يناير/كانون الثاني من العام الماضي، انتهج ترامب سياسة أكثر حدة على المستويين الداخلي والخارجي، مع نزوع استعراضي، تجلّى في عملية اعتقال رئيس دولة على بعد 3700 كيلومتر من بلاده.
لكن ترامب الذي دخل المكتب البيضاوي معززًا بتأييد شعبي جارف بعد تحطيم الجغرافيا التقليدية لأنماط التصويت في الولايات المتحدة، منتزعًا غالبية الولايات الديمقراطية، مهدَّد بتعقيدات داخلية قد تحد من قدراته حتى على صعيد السياسات الخارجية.
فبين مقتل جورج فلويد (2020) والمأساة الأخيرة للممرض أليكس بريتي (يناير/كانون الثاني الجاري)، يبرز مسار تصادمي يربط بين سياسات "القانون والنظام" التي ينتهجها ترامب وبين الغضب الشعبي المتصاعد.
ترامب وفلويد.. الصدمة الأولى
في عام 2020، مثّل مقتل جورج فلويد اختبارًا ناريًا لولاية ترامب. حينها، اتخذ الرئيس موقفًا حازمًا، واصفًا بعض الاحتجاجات بـ"الإرهاب المحلي"، مهددًا بنشر الجيش لفرض النظام. هذا التوجه عزز صورته لدى قاعدته الانتخابية كـ"رئيس القانون والنظام"، لكنه في الوقت ذاته عمّق الفجوة مع الحركات الحقوقية، مما جعل قضية فلويد محركًا سياسيًا أثّر بشكل مباشر على المناخ الانتخابي آنذاك.
لكن الأكثر من ذلك، أن "وضعية فلويد" ظلت تؤدَّى في مباريات كرة القدم في الدوري الإنجليزي حتى وقت قريب، مذكِّرة دائمًا بالمظاهرات التي عمّت دولًا عديدة، معبّرة عن تضامن عالمي ضد أشكال التمييز والعنصرية.
وفي ظل سياسات أمريكية مثيرة للجدل، تبدو الاحتمالات مفتوحة على المجهول بعد واقعة أخرى شهدتها المدينة نفسها.
أليكس بريتي.. الفيدراليون في عين العاصفة
في يناير/كانون الثاني 2026، تجدّد الصدام في مينيابوليس بمقتل أليكس بريتي، الممرض بمستشفى المحاربين القدامى، برصاص عملاء فيدراليين (ICE) خلال احتجاجات ضد حملات الهجرة. هذه المرة، الاصطدام أكثر مباشرة مع الأجهزة الفيدرالية التي تتبع الإدارة مباشرة.
ورغم محاولات السلطات الترويج لرواية عن دفاع العملاء الفيدراليين عن النفس، لا يجد التفسير قبولًا واسعًا مع ظهور مقاطع مصوّرة تفنده.
ودافع البيت الأبيض عن رواية "الدفاع عن النفس"، حيث وصف مسؤولون بريتي بأنه "طرف عنيف".
لكن الحادث يضع ترامب في مواجهة مع حاكم مينيسوتا، تيم والز، الذي وصف وجود العملاء الفيدراليين بـ"الاحتلال"، مطالبًا بسحبهم فورًا.
كرة ثلج
ويمثل مقتل بريتي، وقبله رينيه غود، تهديدًا لخطط ترامب المتعلقة بـ"عملية مترو" لتعزيز الوجود الفيدرالي في المدن الكبرى.
كما تواجه وزارة الأمن الداخلي (DHS) رقابة غير مسبوقة من قبل الكونغرس في أعقاب حادث إطلاق النار، بحسب تقرير لموقع "أكسيوس" الأمريكي.
وقد يؤدي التوتر المتزايد إلى إغلاق حكومي، وجلسات استماع مشحونة سياسيًا، وحتى التصويت على عزل مسؤولين.
ويتزايد عدد الديمقراطيين الموقّعين على بنود عزل وزيرة الأمن الداخلي كريستي نويم، والتي قدمتها النائبة روبن كيلي (ديمقراطية من إلينوي).
وصرح مكتب كيلي لموقع "أكسيوس" بأنهم يتوقعون طفرة في عدد الرعاة المشاركين خلال الأيام القادمة.
ويهدد الديمقراطيون في مجلس الشيوخ بالسماح بحدوث إغلاق جزئي للحكومة الأسبوع المقبل، ما لم يتم تعديل مشروع قانون تمويل وزارة الأمن الداخلي بلغة تفرض قيودًا على الوكالة.
وطلب النائب أندرو غاربارينو (جمهوري من نيويورك)، رئيس لجنة الأمن الداخلي بمجلس النواب، من رؤساء هيئة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك (ICE)، والجمارك وحماية الحدود (CBP)، وخدمات المواطنة والهجرة (USCIS)، الإدلاء بشهادتهم أمام لجنته.
تطورات المشهد السياسي
بينما سارع العديد من القادة الجمهوريين وحلفاء الرئيس ترامب المخلصين للدفاع عن وزارة الأمن الداخلي بعد الحادث، أبدت مجموعة كبيرة من المشرعين الجمهوريين تصريحات أكثر تحفظًا وغموضًا مقارنة بموقفهم بعد مقتل "رينيه جود" قبل أسابيع.
وركز الكثيرون في ردود أفعالهم على المطالبة بـتحقيق كامل، ومن بينهم أعضاء مجلس الشيوخ ديف ماكورميك، وجون هوستيد، وتوم تيليس، وبيل كاسيدي.
وصرح مكتب النائبة كات كاماك (جمهورية من فلوريدا)، وهي حليفة قوية لترامب: "يجب على القادة على كافة المستويات تهدئة الأوضاع، وإنفاذ القانون، وحماية السلامة العامة. سنعمل في الأيام المقبلة لضمان مراجعة كاملة وشفافة للأحداث".
تغيّر نبرة الجمهوريين
تُظهر استجابة النائبة ميشيل فيشباخ (جمهورية من مينيسوتا) لحادثتي إطلاق نار في ولايتها كيف تغيّرت نبرة الحزب الجمهوري منذ بداية العام؛ ففي 7 من الشهر الجاري (حادثة رينيه جود)، وصفتها بأنها "هجوم مستهدف على وكلاء ICE"، وكتبت: "أنا أقف مع الضابط الذي تصرف دفاعًا عن النفس لإنقاذ الأرواح".
ويوم الأحد (حادثة أليكس بريتي)، كتبت: "أشعر بحزن عميق للخسارة المأساوية في الأرواح بمدينة مينيابوليس، وأدعم تمامًا التحقيق الجاري".
وفي سياق متصل، اختلف بعض الجمهوريين مع الإدارة بشأن القول بأن بريتي لم يكن ينبغي أن يحمل سلاحًا. حيث كتب النائب تشيب روي (جمهوري من تكساس) أن "حمل السلاح والمخازن ليس دعوة لرجال الشرطة لإطلاق النار عليك"، وإن كان قد أضاف أن "مقاومة الشرطة (خاصة بسلاح) قد تكون كذلك".
تلاشي الدعم الديمقراطي
ويبدو أن ما تبقى من دعم ديمقراطي محدود لوزارة الأمن الداخلي قد تبخّر. فقد انضمت النائبة لورا جيلين (ديمقراطية من نيويورك) — وهي واحدة من السبعة الوسطيين الذين صوّتوا لصالح تمويل الوزارة الأسبوع الماضي — إلى الموقّعين على بنود العزل.
وحتى مساء الأحد، وصل عدد الرعاة المشاركين في بنود العزل إلى 120 ديمقراطيًا، وهو ما يتجاوز نصف عدد الديمقراطيين في مجلس النواب البالغ 213 عضوًا.
وسيكون التأثير الفوري للحادث في مجلس الشيوخ، حيث تواجه حزمة من ستة مشاريع قوانين للإنفاق خطرًا حقيقيًا. وصرح زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ، تشاك شومر، بأن الديمقراطيين لن يصوّتوا لصالح قانون تمويل وزارة الأمن الداخلي.
هذه الحزمة لا تموّل وزارة الأمن الداخلي فحسب، بل تموّل أيضًا أجزاء ضخمة من الحكومة الفيدرالية، بما في ذلك وزارات الدفاع، والصحة والخدمات الإنسانية، والنقل، والعمل.
واستغل الديمقراطيون الحادث للتهديد بعرقلة تمويل وزارة الأمن الداخلي، مما قد يؤدي إلى إغلاق حكومي جزئي.
ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، تتحول دماء مينيابوليس إلى وقود لمعركة سياسية حول "تجاوز السلطة الفيدرالية" مقابل "الأمن القومي"، وإعادة تذكير بحدود القوة.
aXA6IDIxNi43My4yMTYuMTQxIA== جزيرة ام اند امز