ليانغ وينفنغ.. من خوارزميات البورصة إلى أغنى صناع الذكاء الاصطناعي
لم يكن رجل الأعمال الصيني ليانغ وينفنغ في حاجة إلى منصات المؤتمرات الكبرى أو الظهور الإعلامي المكثف كي يصبح أحد أكثر الأسماء تأثيراً في سباق الذكاء الاصطناعي العالمي.
فالرجل الذي بنى ثروته الأولى بعيدًا عن الأضواء، من خلال خوارزميات تتاجر في أسواق المال، انتقل خلال سنوات قليلة من إدارة صندوق تحوط كمي إلى قيادة "ديب سيك"، الشركة الصينية التي هزت ثقة وادي السيليكون في احتكاره للنماذج الأكثر تطورًا والأعلى تكلفة.
وتوجت رحلة ليانغ بقفزة جديدة في ثروته، بعدما ارتفعت إلى نحو 36 مليار دولار، وفق تقديرات مؤشر بلومبرغ للمليارديرات، ليصبح أغنى مؤسسي الشركات التي تتركز أعمالها وإيراداتها بصورة أساسية في تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي.
وتجاوزت ثروته بذلك أسماء بارزة في القطاع، من بينها مؤسسو شركات أمريكية منافسة، مدفوعًا بارتفاع قيمة "ديب سيك" واحتفاظه بحصة مسيطرة فيها، رغم دخول مستثمرين جدد خلال أول جولة تمويل خارجية للشركة.
من هو ليانغ وينفنغ مؤسس ديب سيك؟
ولد ليانغ وينفنغ عام 1985 في مدينة تشانجيانغ بمقاطعة قوانغدونغ جنوبي الصين، ونشأ في بيئة كانت تشهد صعودًا سريعًا لريادة الأعمال والتجارة مع توسع الصين في تبني اقتصاد السوق.
لكن ليانغ، الذي كان والده يعمل معلمًا، اتخذ مسارًا مختلفًا عن المحيطين به؛ إذ انجذب منذ سنواته الأولى إلى الرياضيات والدراسة الأكاديمية، قبل أن يلتحق بجامعة تشجيانغ المرموقة في سن السابعة عشرة.
درس هندسة الإلكترونيات والاتصالات، ثم واصل تعليمه ليحصل على درجة الماجستير في هندسة المعلومات والاتصالات عام 2010، وهي الخلفية التي منحته أساسًا تقنيًا في معالجة البيانات والخوارزميات، قبل انتقاله إلى عالم الاستثمار الكمي.
ولم يظهر ليانغ في بداياته كرائد أعمال يسعى إلى بناء تطبيق جماهيري، بل كمهندس يراهن على قدرة النماذج الرياضية والحوسبة على اتخاذ قرارات أكثر دقة من القرارات البشرية، وهي الفكرة التي قادته أولًا إلى أسواق المال، ثم إلى تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي.
من الجامعة إلى خوارزميات البورصة
بدأ ليانغ وعدد من زملائه تجربة التداول خلال سنوات الدراسة، قبل أن يشارك عام 2015 في تأسيس صندوق التحوط الكمي "هاي فلاير"، الذي اعتمد على الخوارزميات والذكاء الاصطناعي لتحليل الأسواق وتنفيذ صفقات الاستثمار.
وبدلًا من الاعتماد على محللين يدرسون التقارير الاقتصادية وأداء الشركات بصورة تقليدية، استخدم الصندوق نماذج رياضية لمعالجة كميات ضخمة من البيانات والبحث عن أنماط يمكن تحويلها إلى قرارات تداول.
ونجحت التجربة في دفع أصول "هاي فلاير" إلى أكثر من 100 مليار يوان بنهاية عام 2021، ما وفر لليانغ مصدرًا ماليًا وتقنيًا مكّنه لاحقًا من تمويل مشروع "ديب سيك" دون الحاجة في البداية إلى المستثمرين الخارجيين.
وبحسب سجلات شركات صينية راجعتها "رويترز"، امتلك ليانغ حصة بلغت 55% في "هاي فلاير"، إلى جانب سيطرته على 99% من حقوق التصويت، وهو ما منحه حرية كبيرة في توجيه استثمارات الصندوق نحو البنية الحاسوبية وأبحاث الذكاء الاصطناعي.
رقائق إنفيديا صنعت البداية
قبل أن تفرض الولايات المتحدة قيودًا واسعة على تصدير الرقائق المتقدمة إلى الصين، استثمر "هاي فلاير" عشرات الملايين من الدولارات في شراء وحدات معالجة رسومات من شركة إنفيديا، وبناء مجموعات حاسوبية مخصصة لتدريب النماذج.
أنشأ الصندوق أول تجمع حاسوبي يضم نحو 1100 رقاقة من طراز A100 في عام 2020، ثم بنى تجمعًا أكبر يضم قرابة 10 آلاف رقاقة في العام التالي، قبل تشديد القيود الأمريكية على تصدير هذا النوع من المعالجات إلى الصين.
ومنحت هذه الخطوة ليانغ مخزونًا نادرًا من القدرة الحاسوبية، في وقت أصبحت فيه الرقائق المتقدمة واحدة من أكبر العقبات أمام شركات الذكاء الاصطناعي الصينية.
وبينما اعتقد كثيرون أن نجاح "ديب سيك" جاء بصورة مفاجئة، تكشف استثمارات "هاي فلاير" أن المشروع استند إلى سنوات من بناء البنية التحتية وتطوير الخوارزميات واستقطاب الباحثين.
كيف تأسست شركة ديب سيك؟
في أبريل/نيسان 2023، أعلن "هاي فلاير" توسيع نشاطه بعيدًا عن الاستثمار، وتخصيص موارد لدراسة ما وصفه بـ"جوهر الذكاء الاصطناعي العام"، وهو المستوى الذي تستطيع فيه الأنظمة تنفيذ نطاق واسع من المهام الفكرية بكفاءة تضاهي البشر أو تتفوق عليهم.
وبعد نحو شهر، انطلقت "ديب سيك" كمجموعة أبحاث مستقلة يقودها ليانغ من مدينة هانغتشو، لتصبح لاحقًا واحدة من أبرز مختبرات الذكاء الاصطناعي في الصين.
اعتمدت الشركة في البداية على تمويل ليانغ وصندوقه الاستثماري، وهو ما جنبها ضغوط المستثمرين لتحقيق أرباح سريعة، ومنحها مساحة للتركيز على البحث الأساسي وتطوير نماذج لغوية كبيرة.
كما استقطبت الشركة خريجين وطلاب دكتوراه من الجامعات الصينية الكبرى، وراهن مؤسسها على المواهب المحلية بدلًا من اعتبار الخبرة في الولايات المتحدة شرطًا أساسيًا للانضمام إلى الفريق.
لماذا هزت ديب سيك وادي السيليكون؟
اكتسبت "ديب سيك" شهرتها العالمية بعدما أطلقت نماذج أظهرت قدرة تنافسية في مجالات البرمجة والرياضيات والاستدلال، مع الاعتماد على تقنيات تستهدف خفض تكلفة التدريب والتشغيل.
واستخدم نموذج "DeepSeek-V2" بنية "مزيج الخبراء"، التي لا تشغل جميع مكونات النموذج في الوقت نفسه، ما ساهم في خفض تكاليف التدريب بنسبة 42.5% مقارنة بالجيل السابق، وتقليص الذاكرة المستخدمة في عمليات الاستدلال.
وفي نهاية عام 2024، كشفت الشركة عن "DeepSeek-V3"، الذي يضم 671 مليار معلمة، مع تفعيل 37 مليار معلمة فقط لمعالجة كل رمز، وقال التقرير التقني إن النموذج دُرب باستخدام 2.788 مليون ساعة تشغيل على رقائق H800.
ثم جاء نموذج "DeepSeek-R1" ليعزز موقع الشركة في نماذج التفكير والاستدلال، بعدما اعتمد بصورة واسعة على التعلم المعزز، وأظهر نتائج مقاربة لبعض النماذج الأمريكية المتقدمة في مهام الرياضيات والبرمجة والتفكير المنطقي.
ولم تكن المفاجأة في الأداء وحده، بل في قدرة الشركة الصينية على تحقيقه بموارد أقل نسبيًا، رغم القيود الأمريكية على وصول الصين إلى أحدث الرقائق، ما فتح نقاشًا عالميًا بشأن كفاءة الإنفاق الضخم الذي تتبناه شركات وادي السيليكون.
فلسفة ليانغ وينفنغ.. الأصالة بدلًا من التقليد
لا ينظر ليانغ إلى "ديب سيك" باعتبارها مجرد تطبيق محادثة ينافس "شات جي بي تي"، بل بوصفها مختبرًا يسعى إلى بناء التقنيات الأساسية التي يمكن للشركات والمطورين استخدامها في منتجات مختلفة.
وانتقد في مقابلات نادرة ميل قطاع التكنولوجيا الصيني إلى استنساخ الابتكارات الأجنبية وتحويلها سريعًا إلى مشروعات تجارية، معتبرًا أن الفجوة الحقيقية بين الصين والولايات المتحدة لا تقتصر على عدد السنوات، وإنما ترتبط بالفرق بين الابتكار الأصيل والتقليد.
وقال ليانغ إن الابتكار يحتاج إلى "الفضول والرغبة في الإبداع"، وليس إلى دوافع الربح وحدها، وهي رؤية تفسر تركيز الشركة على الأبحاث طويلة الأجل بدلًا من السعي المبكر إلى تحقيق عوائد تجارية سريعة.
وينظر مؤسس "ديب سيك" إلى الذكاء الاصطناعي العام بوصفه أحد أصعب التحديات التقنية التي يمكن العمل عليها، وهو ما انعكس في استراتيجية الشركة الخاصة بتوظيف الباحثين وتشجيعهم على حل المشكلات العلمية المعقدة.
المصدر المفتوح سلاح ديب سيك
جعل ليانغ سياسة النماذج مفتوحة الأوزان جزءًا أساسيًا من استراتيجية "ديب سيك"، على عكس شركات أمريكية تحتفظ بتفاصيل نماذجها الأكثر تقدمًا داخل أنظمة مغلقة.
ويتيح هذا النهج للباحثين والمطورين تنزيل النماذج وتشغيلها وتعديلها، وفق شروط الترخيص، وهو ما ساعد تقنيات الشركة على الانتشار سريعًا بين الجامعات والشركات والمطورين حول العالم.
ويرى ليانغ أن المصدر المفتوح لا يمثل قرارًا تجاريًا فقط، بل أداة لبناء تأثير تقني وثقافي، ووسيلة تمكن الشركات الصينية من الانتقال من موقع المتابع إلى المشاركة في صياغة المعايير العالمية للذكاء الاصطناعي.
غير أن وصف نماذج الذكاء الاصطناعي بأنها "مفتوحة المصدر" يظل موضع نقاش تقني؛ إذ تنشر الشركات أوزان النماذج وأبحاثها، لكنها قد لا تكشف بصورة كاملة عن بيانات التدريب أو جميع خطوات بناء النموذج.
كم تبلغ ثروة مؤسس ديب سيك؟
ارتفعت ثروة ليانغ وينفنغ إلى نحو 36 مليار دولار في يوليو/تموز 2026، مقارنة بنحو 16.7 مليار دولار سابقًا، وفق مؤشر بلومبرغ للمليارديرات.
وجعلته هذه القفزة أغنى مؤسسي الشركات التي يأتي نشاطها الأساسي وإيراداتها من تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي، في تصنيف يستبعد أصحاب شركات التكنولوجيا المتنوعة ومصنعي الرقائق ومشغلي مراكز البيانات.
وتستند غالبية ثروة ليانغ إلى حصته في "ديب سيك"، إذ قُدرت ملكيته بنحو 78% بعد جولة التمويل التي أغلقتها الشركة في يونيو/حزيران 2026.
لكن هذه الثروة تظل تقديرًا ورقيًا إلى حد كبير، لأنها مرتبطة بتقييم شركة خاصة غير مدرجة في البورصة، ويمكن أن تتغير قيمتها مع جولات التمويل ونتائج الأعمال وشروط الطرح العام المحتمل.
كيف حافظ ليانغ على سيطرته على ديب سيك؟
أغلقت "ديب سيك" أول جولة تمويل خارجية لها في يونيو/حزيران 2026، وجمعت أكثر من 50 مليار يوان، بما يعادل نحو 7.4 مليار دولار، عند تقييم تجاوز 50 مليار دولار.
وضخ ليانغ بنفسه نحو 20 مليار يوان، أي ما يقارب 3 مليارات دولار، في الجولة، بينما شاركت شركات صينية كبرى، بينها "تينسنت" و"كاتل"، إلى جانب الصندوق الوطني الصيني للاستثمار في صناعة الذكاء الاصطناعي وشركات وصناديق أخرى.
واعتمدت الجولة، وفق تقارير نقلتها "رويترز"، على هيكل استثماري غير تقليدي، إذ وضع معظم المستثمرين أموالهم في شراكة محدودة يديرها ليانغ، بدلًا من الاستثمار المباشر في الشركة، مع فرض فترة احتفاظ تمتد خمس سنوات وعدم منحهم حقوق تصويت.
وساعد هذا الهيكل مؤسس الشركة في جمع مليارات الدولارات لتمويل التوسع، مع الاحتفاظ بسيطرته على القرارات البحثية والاستراتيجية، وهو أمر يصعب على كثير من مؤسسي الشركات الناشئة الحفاظ عليه بعد جولات تمويل ضخمة.
تقييم ديب سيك يقترب من 74 مليار دولار
لم تنتظر "ديب سيك" طويلًا بعد إغلاق جولتها الأولى، إذ بدأت الاستعداد لجولة جديدة قد تجمع خلالها ما يصل إلى 50 مليار يوان إضافية، عند تقييم يقارب 500 مليار يوان، بما يعادل نحو 74 مليار دولار.
وتستهدف الشركة استخدام الأموال في توسيع قدرتها الحاسوبية، وبناء مراكز البيانات، وتطوير وكلاء الذكاء الاصطناعي، واستقطاب المهندسين، إلى جانب خطط يقال إنها تشمل تطوير رقائق مخصصة للاستدلال.
كما بدأت الشركة مناقشات مبكرة بشأن طرح أسهمها في سوق "ستار" ببورصة شنغهاي، مع هدف داخلي لتقديم مستندات الطرح قبل نهاية عام 2026، لكن خطط التمويل والإدراج لا تزال في مراحل أولية وقد تتغير شروطها ومواعيدها.
هل تتحول ديب سيك إلى أوبن إيه آي الصينية؟
رغم المقارنات المتكررة، تختلف "ديب سيك" عن "أوبن إيه آي" في نموذج الملكية ومسار التمويل وفلسفة نشر النماذج.
فالشركة الصينية ظلت لسنوات ممولة من مؤسسها وصندوقه، وركزت على النماذج مفتوحة الأوزان، بينما قامت الشركات الأمريكية الكبرى على جولات تمويل متتابعة وشراكات واسعة مع مزودي الحوسبة السحابية.
كما أن ليانغ لا يزال يمتلك حصة أكبر بكثير من الحصص التي يحتفظ بها غالبًا مؤسسو الشركات الأمريكية بعد دخول المستثمرين، وهو ما يفسر سرعة تضاعف ثروته مع ارتفاع تقييم شركته.
لكن الطريق أمام "ديب سيك" لا يخلو من التحديات؛ إذ تتطلب المنافسة على النماذج المتقدمة إنفاقًا متزايدًا على الرقائق والطاقة ومراكز البيانات والباحثين، بينما تواجه الشركة منافسة قوية من شركات صينية، مثل "علي بابا" و"بايت دانس"، إلى جانب "أوبن إيه آي" و"أنثروبيك" وغيرهما عالميًا.
ليانغ وينفنغ.. الملياردير الذي لا يطارد الأضواء
رغم تحوله إلى أحد أغنى رجال الصين وأكثرهم تأثيرًا في التكنولوجيا، لا يزال ليانغ محدود الظهور الإعلامي، ولم يجر سوى عدد قليل من المقابلات المعروفة.
وجذب الأنظار رسميًا في يناير/كانون الثاني 2025، عندما شارك في اجتماع مغلق استضافه رئيس مجلس الدولة الصيني لي تشيانغ، لمناقشة السياسات الحكومية، في إشارة إلى المكانة التي باتت بكين تمنحها لـ"ديب سيك" ضمن خطتها لتعزيز الاستقلال التكنولوجي.
ربما لا يقدم ليانغ نفسه بوصفه نجمًا جماهيريًا على غرار بعض قادة شركات التكنولوجيا، لكن صعوده يعكس تحولًا أوسع داخل الصين؛ من نموذج يركز على توسيع التطبيقات التجارية، إلى سباق لبناء التقنيات الأساسية والرقائق والنماذج التي ستحدد شكل الاقتصاد الرقمي المقبل.
وبينما صنعت خوارزميات أسواق المال ثروته الأولى، فإن الرهان على الذكاء الاصطناعي حوّله من مدير صندوق تحوط قليل الشهرة إلى صاحب واحدة من أكثر الشركات تأثيرًا في مستقبل التكنولوجيا، وأغنى من يقودون سباق تطوير نماذجها.