ثقافة

كلاب المناطق المحررة".. عبثية الحرب السورية وعجائبها في رواية

الإثنين 2018.6.4 03:29 مساء بتوقيت أبوظبي
  • 692قراءة
  • 0 تعليق
للروائي والشاعر زياد عبد الله

غلاف رواية كلاب المناطق المحررة

عندما يداهمك الأرق فلا بد من أن تحيل لياليه الطويلة إلى سبب للمعرفة، أو بحسب نصيحة نيتشه:" ألا نتعلم في ليلة بيضاء واحدة ما قد لا نتعلمه في سنة كاملة من النوم؟".

هكذا وجدت أمامي رواية " كلاب المناطق المحررة" للروائي والشاعر، المترجم، والناقد السينمائي السوري زياد عبد الله.

وعلى الرغم من أن الرواية كما يصفها الشاعر والصحفي الأردني قُصي اللبدي في تقديمه المقتضب الذي اختاره الناشر كديباجة لها، بأنها 150 صفحة تشبه جملة واحدة، إلا أنها ترقى لأن تكون من أصعب الجمل السردية التي قرأتها مؤخرا، فالتقنيات السينمائية التي اتبعها زياد عبد الله في عمله تجعل من قراءته مهمة جسيمة تتطلب يقظة دائمة وقدرة على الاحتفاظ بخيوط الأحداث التي ينسجها الراوي، كخياط أمهر ممن رسم الطيور على ثوب "هدى "، إحدى شخصيات زياد عبد الله في العمل التي ألزمها الصمت.  


فما بين "هدى" وطائرها القماشي وإبراهيم ونجدت وصوت نجوى، وحسان وسمر وغيرهم كثر، يتناهى إليك صوت الحرب عاليا في الرواية لكن دون مباشرة فجة ولا خطابية مبتذلة، لينفذ بِنَا زياد عبد الله بشخوصه وحفره اللغوي البديع، تحت أكوام الدمار الذي خلفته الحرب السورية المتطاولة إلى حيوات العشاق والفنانين والقناصة والأطفال والأفكار العظيمة التي خانها أصحابها والإرهابيين المرتجلين، بل إلى طيف أوسع من ذاك الذي يضمه منزل "إبراهيم" في جلساته التي تقدم مقاربات عجائبية تليق بالمشهد السوري الغارق في غرائبيته.

عسيرة هي محاولة الكتابة عن رواية "اكتملت لكنها لم تنته"، كأن كاتبها تعمد تجنب تذييلها بعبارة “تمت" حتى يترك لنا كقراء أن نقرر ما يبدو لنا، أو للأحداث والاحتمالات أن تقرر بالنيابة عنا كما يقرر الجميع بخصوص السوريين إلا هم .

 فمثل هذه الأعمال السردية على الرغم من صعوبتها وتعقيداتها الفنية إلا أنها لا تبدأ إلا بعد اكتمالها ولا تنتهي به.

" كلاب المناطق المحررة" في بناء شخوصها وحبكتها الفنية، عصية على التشبيه إلا من داخل عوالمها الداخليةً، فضائها السردي الخاص، الكلب الذي سكن منزل إبراهيم والنباح الذي استوطن المدينة بأسرها، الواقع الذي تخطى حدود الخيال، طائر القماش الذي كف عن التغريد بأمر الخياط، السماء التي ستمطر لا محالة بعد أن ثقبها المشيعون بعدد لامتناه من الطلقات، الجثث التي تلفظ أنفاسها الأخيرة على وقع صوت "نجوى" وعزف "هدى" التي خرجت منها، على العود لتصعد أرواح إلى بارئها على إيقاع رائعة محمد عبد الوهاب "ياورد مين يشتريك" أو ربما هي أغنية أخرى خاصة بـ"هدى" لا يهم، ما يهمنا الأن أن سردية زياد عبد الله الهازئة، المروعة، الغارقة في عبثيتها تبحث عن الإنسان وسط فوضى الحرب، عن عاطفة قناص لا يكف عن اصطياد البشر ببندقيته، يتسلى بقنص الأطفال لكن روحه تهفو للقاء ابنه الوحيد ليدفعه شعوره بالفقد إلى حدود اللامعقول، فلا يجد بدا من تخليص أكبر عدد من الأشقياء من وعثاء العيش تحت وطأة حرب تعصف بكل شيء.


لغة زياد عبد الله الشاعرية كانت تفوق اجتراحاته التقنية في التجريب،وهو صاحب مجموعتين شعريتين هما " ملائكة الطرقات السريعة" و " قبل الحبر بقليل"، فعلى أشجار سرديته كان طائر الشعر دائم الحضور حتى "أمست زقزقة العصافير مؤثرا صوتيا ركب لضرورات الصباح" و "الحب منولوجا يكلم فيه كل شخص نفسه فينصت الأخر".

والقصائد تتقافز من الحقائب المدرسية أن:

"أحببت كثيرا معلمتك

حتى أنك قدمت لها

الأحرف كلها التي تعرفها

دفعة واحدة وبالتسلسل الأبجدي.

تقول

إنك رأيت الله

والعشاق والشعراء

يستحمون بدموعك

ويعلنون الهبوب على عينيك الغباريتين

لتعفر المشهد

ياجوهر الهبوب وباطله

يارفيق الصدى

وهو يغور في شقوق العودة".

حسان القائد الميداني العظيم، عاشق برتبة قاتل، وهل يمكن أن ننسى حسان وسمر " الواثقة التي تبحث عن هزيمة" الزوجة التي يحررها عشيقها وقاتل زوجها لتكتب نهايته بنفسها، دون أن تكف عن مطاردته شبحا.

هذه الجزئية لوحدها كفيلة بدفعك لإعادة قراءة الرواية من جديد علك تعثر فيها على نسخة مكتملة لـ"مانفيستو العبودية".

لم تكن قراءة "كلاب المناطق المحررة" وحدها المهمة الصعبة، فكتابتها كذلك لاشك أنها كانت من الصعوبة بمكان، لابد أن الأرق داهم زياد عبد الله كثيرا حتى يتمكن من اللعب بهذه الحرفية في أخطر المساحات، ساحة الحرب السورية التي تطال خطورتها حتى الأدب، فتجددها وتقلباتها يجعلان من الكتابة عنها أمرا مملا حتى في الصحافة الغارقة في تقريريتها فما بالك بالأدب! ساحة الحرب التي تحتشد بالفنتازيا، فهل هنالك فنتازيا أكثر من الأزمة السورية بحربها، مفاوضاتها، لاجئيها، وتشكيلاتها العصابية الغرائبية التي تتناسل يوما تلو الأخر؟.

تمكن زياد عبد الله من تحرير مساحته الخاصة وسط ضجيج الحرب؛ ليحفر سردية تقترب منها وتتجاوز "مطباتها" لتنسج عوالما موازية ببراعة "القذائف التي تحمل القبور الجاهزة لضحاياها"، دون أن يقع ضحية الهتافية والتقريرية ليكتب عن الحرب قبل أن تضع أوزارها وتجف دماؤها.

تعليقات